﴿وقال الذي آمن﴾ أي: مشيراً إلى وهن قول فرعون بالإعراض عنه بقوله: ﴿يا قوم﴾ أي: يا من لا قيام لي إلا بهم وأنا غير متهم في نصيحتهم ﴿اتبعوني﴾ أي: كلفوا أنفسكم اتباعي لأن السعادة غالباً تكون فيما يكره الإنسان ﴿أهدكم سبيل﴾ أي: طريق ﴿الرشاد﴾ أي: الهدى لأنه مع سهولته واتساعه موصل ولا بد إلى المقصود، وأما ما قال فرعون مدعياً أنه سبيل الرشاد فلا يوصل إلا إلى النار فهو تعريض به شبيه بالتصريح به، وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي لأدنى أهل الإيمان أن لا يخلي نفسه عن الوعظ لغيره، وقرأ ابن كثير بإثبات الياء بعد النون وقفاً ووصلاً، وأثبتها قالون وأبو عمرو وصلاً لا وفقاً، وحذفها الباقون وصلاً ووقفاً ثم إن ذلك المؤمن زهدهم في الدنيا وكرر:
﴿يا قوم﴾ كما كرر إبراهيم عليه السلام يا أبت زيادة في استعطافهم بقوله: ﴿إنما هذه الحياة﴾ وحقرها بقوله: ﴿الدنيا﴾ إشارة إلى دناءتها بقوله: ﴿متاع﴾ إشارة إلى أنها جيفة لأنها في اللغة من جملة مدلولات المتاع فلا يتناول منها إلا كما يتناول المضطر من الجيفة لأنها دار النقلة والزوال والتزود والارتحال، والإخلاد إليها هو أصل الشر كله ومنه تشعب جميع ما يؤدي إلى سخط الله تعالى ويجلب الشقاوة في العاقبة ثم رغبهم في الآخرة بقوله: ﴿وإن الآخرة﴾ أي: لكونها مقصودة بالذات ﴿هي دار القرار﴾ أي: التي لا تحول منها أصلاً لأنها الوطن المستقر، قال بعض العارفين: لو كانت الدنيا ذهباً فانياً والآخرة خزفاً باقياً لكانت الآخرة خيراً من الدنيا فكيف والدنيا خزف فان والآخرة ذهب باق بل أشرف وأحسن، وكما أن النعيم فيها دائم فكذلك العذاب فكان الترغيب في نعيم الجنان والترهيب من عذاب النيران من أعظم وجوه الترغيب والترهيب. والآية من الاحتباك ذكر المتاع أولاً دليلاً على حذف التوسع ثانياً والقرار ثانياً دليلاً على حذف الارتحال أولاً ثم قال ذلك المؤمن لقومه:
(٩/٤٦٣)


الصفحة التالية
Icon