وروي أنه ﷺ قال: «أهل الجنة عشرون ومائة صف ثمانون من هذه الأمة» وقوله تعالى: ﴿تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ استئناف بين به كونهم خير أمة كما تقول: زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بمصالحهم أو خبر ثان لكنتم وقوله تعالى: ﴿وتؤمنون با﴾ يتضمن الإيمان بكل ما يجب أن يؤمن به؛ لأنّ من آمن ببعض ما يجب الإيمان به من رسول أو كتاب أو بعث أو حساب أو عقاب أو ثواب أو غير ذلك لم يعتدّ بإيمانه فكأنه غير مؤمن بالله.
فإن قيل: لم أخر تؤمنون بالله وحقه أن يقدم؟ أجيب: بأنه إنما أخر؛ لأنه قصد بذكره الدلالة على أنهم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر إيماناً بالله تعالى وتصديقاً به وإظهاراً لدينه.
تنبيه: استدل بهذه الآية على أنّ إجماع هذه الأمة حجة؛ لأنها تقتضي كونهم آمرين بكل معروف ناهين عن كل منكر إذ اللام فيها للإستغراق فلو أجمعوا على باطل كتحريم شيء هو في نفس الأمر معروف كان أمرهم على خلاف ذلك ﴿ولو آمن أهل الكتاب﴾ بالله ورسوله ﷺ ﴿لكان﴾ الإيمان ﴿خيراً لهم﴾ مما هم عليه لأنهم إنما آثروا دينهم على دين الإسلام حباً للرياسة واستتباع العوام ﴿منهم المؤمنون﴾ كعبد الله بن سلام وأصحابه ﴿وأكثرهم الفاسقون﴾ أي: المتمرّدون في الكفر.
﴿لن يضروكم﴾ أي: اليهود يا معشر المسلمين بشيء ﴿إلا أذى﴾ أي: ضرراً يسيراً كسب وطعن في الدين وتهديد ونحو ذلك ﴿وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار﴾ منهزمين ولا يضرّوكم بقتل أو أسر ﴿ثم لا ينصرون﴾ عليكم بل لكم النصر عليهم. وفي هذا تثبيت لمن أسلم منهم؛ لأنهم كانوا يؤذونهم بأنهم لا يقدرون أن يتجاوزوا الأذى إلى ضرر يبالي به مع أنه تعالى وعدهم الغلبة عليهم والانتقام منهم وأنّ عاقبة أمرهم الخذلان والذل.
(٢/٧٨)