فإن قيل: ظاهر ما ذكر يدل على أنّ ذلك ورد للمنع من أمر كان ﷺ يريد أن يفعله وذلك الفعل إن كان بأمر الله تعالى فكيف يمنعه منه وإن كان بغير أمره فكيف يصح مع قوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ (النجم، ٣) أجيب: بأنّ ذلك كان من باب ترك الأفضل والأولى فلا جرم أرشده الله تعالى إلى اختيار الأولى نظيره قوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين، واصبروا وما صبرك إلا با﴾ (النحل، ١٢٧) فكأنه تعالى قال أوّلاً: إن كان ولا بدّ أن تعاقب ذلك الظالم فاكتف بالمثل، ثم قال ثانياً وإن تركته كان ذلك أولى. ثم أمره أمراً جازماً بتركه فقال: واصبر وما صبرك إلا بالله ﴿يغفر لمن يشاء﴾ مغفرته ﴿ويعذب من يشاء﴾ تعذيبه. ولما كان له فعل ذلك إلا أن جانب المغفرة والرحمة غالب لا على سبيل الوجوب بل على سبيل التفضل والإحسان قال: ﴿وا غفور﴾ لأوليائه ﴿رحيم﴾ بعباده فلا تبادر بالدعاء عليهم. ولما شرح سبحانه وتعالى عظيم نعمه على المؤمنين فيما يتعلق بإرشادهم إلى الأصلح في أمر الدين والجهاد أتبع ذلك بما يدخل في الأمر والنهي والترغيب والتحذير فقال:
﴿يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً﴾ وهو جمع ضعف. ولما كان جمع قلة والمقصود الكثرة أتبعه بما يدل على ذلك وهو الوصف بقوله: ﴿مضاعفة﴾ بأن تزيدوا في المال عند حلول الأجل وتؤخروا الطلب والتخصيص بحسب الواقع، إذ كان الرجل منهم يرابي إلى أجل ثم يزيد في الدين زيادة أخرى حتى يستغرق بالشيء اللطيف مال الديون وإلا فالربا حرام بلا مضاعفة بل هو من الكبائر مطلقاً، وقرأ ابن كثير وابن عامر بتشديد العين ولا ألف قبلها، والباقون بتخفيف العين وألف قبلها ﴿واتقوا الله﴾ بترك ما نهيتم عنه ﴿لعلكم تفلحون﴾ أي: تفوزون ثم خوّفهم فقال تعالى:
(٢/٩٤)


الصفحة التالية
Icon