وروي أنّ الله تعالى أوحى إلى موسى عليه الصلاة والسلام: «ما أقل حياء من يطمع في جنتي بغير عمل كيف أجود برحمتي على من يبخل بطاعتي». وعن شهر بن حوشب: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة، وعن الحسن يقول الله تعالى يوم القيامة: «جوزوا الصراط بعفوي وادخلوا الجنة برحمتي واقتسموها بأعمالكم»، وعن رابعة البصرية أنها كانت تنشد:
| *ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها | إنّ السفينة لا تجري على اليبس* |
﴿قد خلت﴾ أي: مضت ﴿من قبلكم سنن﴾ جمع سنة وهي الطريقة التي يكون عليها الإنسان ويلازمها ومنه سنة الأنبياء عليه الصلاة والسلام أي: قد مضت من قبلكم طرائق في الكفار بإمهالهم ثم أخذهم ﴿فسيروا﴾ أيها المؤمنون ﴿في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة﴾ أي: آخر أمر ﴿المكذبين﴾ الرسل من الهلاك فلا تحزنوا لغلبتهم فأنا أمهلهم لوقتهم.
﴿هذا﴾ أي: القرآن ﴿بيان للناس﴾ عامّة ﴿وهدى﴾ من الضلالة ﴿وموعظة للمتقين﴾ خاصة ﴿ولا تهنوا﴾ أي: تضعفوا عن قتال الكفار بما نالكم من القتل والجراح يوم أحد.
﴿ولا تحزنوا﴾ على ما أصابكم وكان قد قتل يومئذٍ من المهاجرين خمسة: منهم حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وقتل من الأنصار سبعون رجلاً ﴿وأنتم الأعلون﴾ أي: وحالكم أنكم أعلى شأناً منهم فإنكم على الحق وقتالكم لله وقتلاكم في الجنة، وإنهم على الباطل وقتالهم للشيطان وقتلاهم في النار أو لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم اليوم أو هي بشارة لهم بالعلو والغلبة أي: وأنتم الأعلون في العاقبة ﴿وإن جندنا لهم الغالبون﴾ (الصافات، ١٧٣) وقوله تعالى: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ متعلق بالنهي بمعنى لا تهنوا إن صح إيمانكم على أنّ صحة الإيمان توجب قوّة القلب والثقة بالله تعالى وقلة المبالاة بأعدائه أو متعلق بالأعلون أي: إن كنتم مصدّقين بما يعدكم الله ويبشركم به من الغلبة.
(٢/١٠٢)