﴿ثم أنزل عليكم﴾ يا معشر المسلمين ﴿من بعد الغمّ أمنة﴾ أي: أمناً والأمن والأمنة بمعنى واحد وقيل: الأمن يكون مع زوال سبب الخوف، والأمنة مع بقاء سبب الخوف وكان سبب الخوف ههنا قائماً وقوله تعالى: ﴿نعاساً﴾ بدل من أمنة، وأمنة مفعول أو نعاساً هو المفعول وأمنة حال منه متقدّمة ﴿يغشى طائفة منكم﴾ وهم المؤمنون. وقرأ حمزة والكسائيّ بالتاء على التأنيث ردّاً إلى الأمنة والباقون بالياء على التذكير ردّاً إلى النعاس ﴿وطائفة﴾ وهم المنافقون ﴿قد أهمتهم أنفسهم﴾ أي: حملتهم على الهزيمة فلا رغبة لهم إلا إنجاءها دون النبيّ ﷺ وأصحابه فلم يناموا، فإن الذين كانوا مع رسول الله ﷺ يوم أحد فريقان أحدهما: الجازمون بنبوّة محمد ﷺ فهؤلاء كانوا قاطعين بأن الله ينصر هذا الدين وأن هذه الوقعة لا تؤدّي إلى الاستئصال فلا جرم كانوا آمنين وبلغ ذلك الأمن إلى أن غشيهم النعاس فإن النوم لا يجيء مع الخوف، قال أبو طلحة: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد فكان السيف يسقط من أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه، وقال ثابت عن أنس عن أبي طلحة قال: رفعت رأسي يوم أحد فجعلت ما أرى أحداً من القوم إلا وهو يميل تحت حجفته من النعاس. قال الزبير: كنت مع رسول الله ﷺ حين اشتدّ الخوف، فأرسل الله علينا النوم والله إني لأسمع قول معتب بن بشير والنعاس يغشاني ما أسمعه إلا كالحلم يقول: ﴿لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا﴾. والفريق الثاني: هم المنافقون كانوا شاكين في نبوّته ﷺ وما حضروا إلا لطلب الغنيمة فهؤلاء اشتدّ جزعهم وعظم خوفهم. قال ابن مسعود: النعاس في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشيطان وذلك لأنه في القتال لا يكون إلا من الوثوق بالله والفراغ من الدنيا، ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن الله.
(٢/١٢١)