﴿ولئن متم أو قتلتم﴾ على أيّ وجه اتفق هلاككم ﴿لا إلى الله﴾ لا غيره ﴿تحشرون﴾ في الآخرة فيجازيكم وقرأ نافع وحمزة ﴿متم﴾ بكسر الميم والباقون بالضم، وقرأ حفص ﴿يحشرون﴾ بياء الغيبة والباقون بتاء الخطاب ورسمت لا إلى الله بألف بعد اللام.
(٢/١٢٧)
فإن قيل: هنا ثلاثة مواضع فقدّم الموت على القتل في الأوّل والأخير وقدّم القتل على الموت في المتوسط فما الحكمة في ذلك؟ أجيب: بأنّ الأوّل لمناسبة ما قبله من قوله: ﴿إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزا﴾ فرجع الموت لمن ضرب في الأرض والقتل لمن غزا، وأمّا الثاني فلأنه محل تحريض على الجهاد فقدّم الأهم الأشرف، وأمّا الأخير فلأن الموت أغلب.
﴿فبما رحمة﴾ أي: فبرحمة ﴿من الله لنت لهم﴾ فما مزيدة للتأكيد والجار والمجرور مقدّم للدلالة على أنّ لينه ﷺ ما كان إلا برحمة من الله، ومعنى الرحمة توفيقه للرفق بهم حتى اغتم لهم بعد أن خالفوه ﴿ولو كنت فظاً﴾ أي: سيىء الخلق ﴿غليظ القلب﴾ أي: جافياً ﴿لانفضوا﴾ أي: تفرّقوا ﴿من حولك﴾ أي: عنك وذلك؛ لأنّ المقصود من البعثة أن يبلغ الرسول تكاليف الله تعالى إلى الخلق وذلك لا يتم إلا بميل قلوبهم إليه وسكون نفوسهم لديه وهذا المقصود لا يتم إلا إذا كان رحيماً بهم كريماً يتجاوز عن ذنوبهم ويعفو عن سيئاتهم ويخصهم بالبر والشفقة فلهذه الأسباب وجب أن يكون الرسول مبرأ عن سوء الخلق وغلظ القلب ويكون كثير الميل إلى إعانة الضعفاء كثير القيام بإعانة الفقراء. وحمل القفال هذه الآية على واقعة أحد قال: فبما رحمة من الله لنت لهم يوم أحد حين عادوا إليك بعد الإنهزام، ولو كنت فظاً غليظ القلب فشافهتهم بالملامة على ذلك الإنهزام لانفضوا من حولك هيبة منك وحياء بسبب ما كان منهم من الإنهزام، فكان ذلك مما يطمع العدوّ فيك وفيهم ﴿فاعف﴾ أي: تجاوز ﴿عنهم﴾ أي: ما أتوه ﴿واستغفر لهم﴾ ذنوبهم حتى أشفعك فيهم فأغفر لهم.
(٢/١٢٨)