واختلفوا في معنى قوله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ على وجوه أحدها: إنّ ذلك يقتضي شدّة محبته لهم فلو لم يفعل ذلك لكان ذلك إهانة لهم فيحل سوء الخلق والفظاظة وثانيها: إنه عليه الصلاة والسلام وإن كان أكمل الناس عقلاً إلا أنّ عقول الخلق غير متناهية، فقد يخطر ببال إنسان من وجوه المصالح ما لا يخطر ببال آخر لا سيما فيما يتعلق بأمور الدنيا، قال عليه الصلاة والسلام: «أنتم أعرف بأمور دنياكم وأنا أعرف بأمور دينكم» ولهذا السبب قال ﷺ «ما شاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم» وثالثها: قال الحسن وسفيان بن عيينة: إنما أمر بذلك ليقتدي به غيره في المشاورة وتصير سنة ورابعها: أنه عليه الصلاة والسلام شاورهم في وقعة أحد أشاروا عليه بالخروج وكان ميله أن لا يخرج، فلما خرج وقع ما وقع فلو ترك مشاورتهم بعد ذلك لكان ذلك يدل على أنه بقي في قلبه منهم بسبب مشاورتهم شيء، فأمر الله تعالى بمشاورتهم بعد تلك الواقعة ليدل على أنه لم يبق في قلبه أثر من تلك الواقعة وخامسها: أمره بالمشاورة لا ليستفيد منهم رأياً ولكن ليعلم مقادير عقولهم ومحبتهم له. وذكروا أيضاً وجوهاً أخر، وفي هذا القدر كفاية واتفقوا على أن كل ما نزل فيه وحي من عند الله لم يجز للرسول أن يشاور الأمّة فيه؛ لأنّ النص إذا جاء بطل الرأي ﴿فإذا عزمت﴾ أي: قطعت الأمر على إمضاء ما تريد بعد المشاورة ﴿فتوكل على الله﴾ أي: ثق به لا بالمشاورة فليس التوكل إهمال التدبير بالكلية بل بمراعاة الأسباب مع تفويض الأمر إلى الله تعالى ﴿إن الله يحب المتوكلين﴾ عليه فينصرهم ويهديهم إلى الصلاح.
(٢/١٢٩)