فإنه ليس المقصود نفس هذا الظاهر بل المقصود إثبات أنّ الله تعالى لا يعزب عن علمه وعن حفظه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء فكذا ههنا المقصود تشديد الوعيد والمعنى أنّ الله تعالى يحفظ عليه هذا المغلول ويقرّره عليه يوم القيامة ويجازيه به؛ لأنه تعالى لا يخفى عليه خافية. وعن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلاً من أسد على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام النبيّ ﷺ على المنبر فقال: «ما بال العامل نبعثه على بعض أعمالنا فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي، فهلا جلس في بيت أمّه أو في بيت أبيه فينظر أيهدى إليه أم لا فوالذي نفسي بيده لا يأخذ منها أحد شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تثغو» ثم رفع يديه حتى رؤيت عفرة إبطه ثم قال: «اللهمّ هل بلغت اللهمّ هل بلغت» ﴿ثم توفى كل نفس﴾ أي: تعطى جزاء ﴿ما كسبت﴾ أي: عملت وافياً الغال وغيره.
فإن قيل: هلا قيل: ثم يوفى أي: الغال ما كسب؟ أجيب: بأنه عم الحكم ليكون كالبرهان على المقصود والمبالغة فيه فإنه إذا كان كل كاسب مجزياً بعمله فالغال مع عظم جرمه بذلك أولى ﴿وهم لا يظلمون﴾ شيئاً فلا ينقص ثواب مطيعهم ولا يزاد في عقاب عاصيهم وقوله تعالى:
(٢/١٣٣)