بجرّ حاتم على أنه بدل من الهاء في جوده وضن مبني للمفعول وهو بالماء أي: ولو أن حاتماً مستقرّاً في القوم كائناً على جوده، وهم بتلك الحالة لبخل بالماء ﴿لإخوانهم﴾ أي: لأجل إخوانهم من جنس المنافقين المقتولين يوم أحد أو إخوانهم في النسب أو في سكنى الدار أو في عداوة النبيّ ﷺ وقوله تعالى: ﴿وقعدوا﴾ حال مقدّرة بقد أي: قالوا: قاعدين عن القتال ﴿لو أطاعونا﴾ في القعود ﴿ما قتلوا﴾ كما لم نقتل. واختلف في قائل ذلك، فقال أكثر المفسرين: هو ابن أبي وأصحابه، وقول الأصم هذا لا يجوز؛ لأنّ ابن أبي خرج مع النبيّ ﷺ في الجهاد يوم أحد وهذا القول واقع ممن تخلف فيه نظر لاحتمال أنّ المراد بالقعود القعود عن القتال لا عن الخروج إلى القتال ﴿قل:﴾ لهم ﴿فادرؤا﴾ أي: ادفعوا ﴿عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين﴾ في أن القعود ينجي منه لأنكم إن دفعتم القتل الذي هو أحد أسباب الموت لم تقدروا على دفع سائر أسبابه المبثوثة ولا بد لكم أن يتعلق بكم بعضها.
وروي أنه مات يوم قالوا هذه المقالة: سبعون منافقاً.
فإن قيل: ما وجه هذا الاستدلال فإن التحرز عن القتل ممكن وأمّا التحرز عن الموت فغير ممكن؟ أجيب: بأن الكل بقضاء الله وقدره فلا فرق بين الموت والقتل وفي قوله تعالى: ﴿فادرؤا عن أنفسكم الموت﴾ استهزاء بهم أي: إن كنتم رجالاً دفاعين لأسباب الموت فادرؤا جميع أسبابه حتى لا تموتوا، ونزل في شهداء أحد كما رواه الحاكم: وكانوا سبعين رجلاً: أربعة من المهاجرين حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وعثمان بن شاس وعبد الله بن جحش وسائرهم من الأنصار.
﴿ولا تحسبن﴾ أي: ولا تظنن ﴿الذين قتلوا في سبيل الله﴾ أي: لأجل دينه والخطاب للنبي ﷺ أو لكل أحد ﴿أمواتاً بل﴾ هم ﴿أحياء عند ربهم﴾ أي: ذوو زلفى منه فليس المراد القرب المكاني لاستحالته ولا بمعنى في علمه وحكمه لعدم مناسبة المقام له بل بمعنى القرب شرفاً ورتبة.