[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٨]

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)
هَذَا فَرِيقٌ آخَرُ وَهُوَ فَرِيقٌ لَهُ ظَاهِرُ الْإِيمَانِ وَبَاطِنُهُ الْكُفْرُ وَهُوَ لَا يعدو أَنْ يَكُونَ مُبْطِنًا الشِّرْكَ أَوْ مُبْطِنًا التَّمَسُّكَ بِالْيَهُودِيَّةِ وَيَجْمَعُهُ كُلُّهُ إِظْهَارُ الْإِيمَانِ كَذِبًا، فَالْوَاوُ لِعَطْفِ طَائِفَةٍ مِنَ الْجُمَلِ عَلَى طَائِفَةٍ مَسُوقٍ كُلٍّ مِنْهُمَا لِغَرَضٍ جَمَعَتْهُمَا فِي الذِّكْرِ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ فَلَا يُتَطَلَّبُ فِي مِثْلِهِ إِلَّا الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ لَا الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ كُلِّ جُمْلَةٍ وَأُخْرَى مِنْ كِلَا الْغَرَضَيْنِ عَلَى مَا حَقَّقَهُ التفتازانيّ فِي شَرْحِ الْكَشَّافِ، وَقَالَ السَّيِّدُ إِنَّهُ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي بَابِ الْعَطْفِ لَمْ يَنْتَبِهْ لَهُ كَثِيرُونَ فَأَشْكَلَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ فِي مَوَاضِعَ شَتَّى وَأَصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ «الْكَشَّافِ» :«وَقِصَّةُ الْمُنَافِقِينَ عَنْ آخِرِهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى قِصَّةِ الَّذِينَ كَفَرُوا [الْبَقَرَة: ٦] كَمَا تُعْطَفُ الْجُمْلَةُ عَلَى الْجُمْلَةِ» فَأَفَادَ بِالتَّشْبِيهِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ عَطْفِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ.
قَالَ الْمُحَقِّقُ عَبْدُ الْحَكِيمِ: وَهَذَا مَا أَهْمَلَهُ السَّكَّاكِيُّ أَيْ فِي أَحْوَالِ الْفَصْلِ وَالْوَصْلِ وَتَفَرَّدَ بِهِ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ».
وَاعْلَمْ أَنَّ الْآيَاتِ السَّابِقَةَ لَمَّا انْتَقَلَ فِيهَا مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى الْقُرْآنِ بِذِكْرِ الْمُهْتَدِينَ بِهِ بِنَوْعَيْهِمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ إِلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ، وَانْتَقَلَ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ إِلَى ذِكْرِ أَضْدَادِهِمْ وَهُمُ الْكَافِرُونَ الَّذِينَ أُرِيدَ بِهِمُ الْكَافِرُونَ صَرَاحَةً وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، كَانَ السَّامِعُ قَدْ ظَنَّ أَنَّ الَّذِينَ أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ دَاخِلُونَ فِي قَوْلِهِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [الْبَقَرَة: ٣] فَلَمْ يَكُنِ السَّامِعُ سَائِلًا عَنْ قِسْمٍ آخَرَ وَهُمُ الَّذِينَ أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ وَأَبْطَنُوا الشِّرْكَ أَوْ غَيْرَهُ وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ هُمُ الْمُرَادُ هُنَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا [الْبَقَرَة: ١٤] إِلَخْ، لِأَنَّهُ لِغَرَابَتِهِ وَنُدْرَةِ وَصْفِهِ بِحَيْثُ لَا يَخْطُرُ بِالْبَالِ وَجُودُهُ نَاسَبَ
أَنْ يَذْكُرَ أَمْرَهُ لِلسَّامِعِينَ، وَلِذَلِكَ جَاءَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ مَعْطُوفَةً بِالْوَاوِ إِذْ لَيْسَتِ الْجُمْلَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ مُقْتَضِيَةً لَهَا وَلَا مُثِيرَةً لِمَدْلُولِهَا فِي نُفُوسِ السَّامِعِينَ، بِخِلَافِ جُمْلَةِ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ [الْبَقَرَة: ٦] تُرِكَ عَطْفُهَا عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا لِأَنَّ ذِكْرَ مَضْمُونِهَا بَعْدَ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ مُتَرَقِّبًا لِلسَّامِعِ، فَكَانَ السَّامِعُ كَالسَّائِلِ عَنْهُ فَجَاءَ الْفَصْلُ لِلِاسْتِئْنَافِ الْبَيَانِيِّ.
وَقَوْلُهُ: وَمِنَ النَّاسِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لَا مَحَالَةَ وَقَدْ يَتَرَاءَى أَنَّ الْإِخْبَارَ بِمِثْلِهِ قَلِيلُ الْجَدْوَى لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُبْتَدَأُ دَالًّا عَلَى ذَاتٍ مِثْلِهِ، أَوْ مَعْنًى لَا يَكُونُ إِلَّا فِي النَّاسِ كَانَ الْإِخْبَارُ عَنِ الْمُبْتَدَأِ بِأَنَّهُ مِنَ النَّاسِ أَوْ فِي النَّاسِ غَيْرُ مُجْدٍ بِخِلَافِ قَوْلِكَ الْخَضِرُ مِنَ النَّاسِ، أَيْ لَا مِنَ
أَخَصُّ مِنْ حَيَاةِ بَقِيَّةِ الْأَرْوَاحِ فَإِنَّ حَيَاةَ الْأَرْوَاحِ مُتَفَاوِتَةٌ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ «أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ» وَرَوَوْا أَنَّ تَأْوِيلَ الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَوْلَى مِنْ تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ فِي مَعْنَى حَيَاتِهِ وَفِي نُزُولِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَ مَعْنَى الْوَفَاةِ فَجَعَلَهُ حَيًّا بِحَيَاتِهِ الْأُولَى، وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْقَى الْوَفَاةَ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَجَعَلَ حَيَاتَهُ بِحَيَاةٍ ثَانِيَةٍ، فَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ وَرَفَعَهُ فِيهَا، ثُمَّ أَحْيَاهُ عِنْدَهُ فِي السَّمَاءِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُوُفِّيَ سَبْعَ سَاعَاتٍ. وَسَكَتَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَالِكٌ عَنْ تَعْيِينِ كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ، وَلَقَدْ وُفِّقَا وَسُدِّدَا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَيَاتُهُ كَحَيَاةِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنْ يَكُونَ نُزُولُهُ- إِنْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ- بَعْثًا لَهُ قَبْلَ إِبَّانِ الْبَعْثِ عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِيَّةِ، وَقَدْ جَاءَ التَّعْبِيرُ عَنْ نُزُولِهِ بِلَفْظِ «يَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى فَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَلَا يَمُوتُ بَعْدَ ذَلِكَ بَلْ يَخْلُصُ مِنْ هُنَالِكَ إِلَى الْآخِرَةِ.
وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِهِ: إِنَّ عَطْفَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ إِذِ الْوَاوُ لَا تُفِيدُ تَرْتِيبَ الزَّمَانِ أَيْ إِنِّي رَافِعُكَ إِلَيَّ ثُمَّ مُتَوَفِّيكَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يَمُوتُ فِي آخِرِ الدَّهْرِ سِوَى أَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ: «وَيَمْكُثُ (أَيْ عِيسَى) أَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يُتَوَفَّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ» وَالْوَجْهُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
إِنِّي مُتَوَفِّيكَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَأَنْ تُؤَوَّلَ الْأَخْبَارُ الَّتِي يُفِيدُ ظَاهِرُهَا أَنَّهُ حَيٌّ عَلَى مَعْنَى حَيَاةِ كَرَامَةٍ عِنْدَ اللَّهِ، كَحَيَاةِ الشُّهَدَاءِ وَأَقْوَى، وَأَنَّهُ إِذَا حُمِلَ نُزُولُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ
دُونَ تَأْوِيلٍ، أَنَّ ذَلِكَ يقوم مقَام الْبَعْض، وَأَنَّ قَوْلَهُ- فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ- ثُمَّ يُتَوَفَّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ مُدْرَجٌ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ رَوَوْا حَدِيثَ نُزُولِ عِيسَى، وَهُمْ جَمْعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالرِّوَايَاتُ مُخْتَلِفَةٌ وَغَيْرُ صَرِيحَةٍ. وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْقُرْآنُ فِي عَدِّ مَزَايَاهُ إِلَى أَنَّهُ يَنْزِلُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ.
وَالتَّطْهِيرُ فِي قَوْلِهِ: وَمُطَهِّرُكَ مَجَازِيٌّ بِمَعْنَى الْعِصْمَةِ وَالتَّنْزِيهِ لِأَنَّ طَهَارَةَ عِيسَى هِيَ هِيَ، وَلَكِنْ لَوْ سُلِّطَ عَلَيْهِ أَعْدَاؤُهُ لَكَانَ ذَلِكَ إِهَانَةً لَهُ.
وَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ «كَفَرُوا» لِظُهُورِهِ أَيِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِكَ وَهُمُ الْيَهُودُ، لِأَنَّ الْيَهُودَ مَا كَفَرُوا بِاللَّهِ بَلْ كَفَرُوا بِرِسَالَةِ عِيسَى، ولأنّ عِيسَى لَمْ يُبْعَثْ لِغَيْرِهِمْ فَتَطْهِيرُهُ لَا يُظَنُّ أَنَّهُ تَطْهِيرٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ.
وَقَوْلُهُ: فَلَهُنَّ أُعِيدَ الضَّمِيرُ إِلَى نِسَاءٍ، وَالْمُرَادُ مَا يَصْدُقُ بِالْمَرْأَتَيْنِ تَغْلِيبًا لِلْجَمْعِ عَلَى الْمُثَنَّى اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرِينَةِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: «وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً» - بِنَصْبِ وَاحِدَةٍ- عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَتْ، وَاسْمُ كَانَتْ ضَمِيرٌ عَائِدٌ إِلَى مَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: فِي أَوْلادِكُمْ مِنْ مُفْرَدِ وَلَدٍ، أَيْ وَإِنْ كَانَتِ الْوَلَدُ بِنْتًا وَاحِدَةً، وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَأَبُو جَعْفَرٍ- بِالرَّفْعِ- عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّةٌ، وَالتَّقْدِيرُ: وَإِنْ وُجِدَتْ بِنْتٌ وَاحِدَةٌ، لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَإِنْ كُنَّ نِساءً.
وَصِيغَةُ أَوْلادِكُمْ صِيغَةُ عُمُومٍ لِأَنَّ أَوْلَادَ جَمْعٌ مُعَرَّفٌ بِالْإِضَافَةِ، وَالْجَمْعُ الْمُعَرَّفُ بِالْإِضَافَةِ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ، وَهَذَا الْعُمُومُ، خَصَّصَهُ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ:
الْأَوَّلُ: خَصَّ مِنْهُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ: «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَجَمِيعُ الصَّحَابَةِ وَأُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ.
وَصَحَّ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَافَقَ عَلَيْهِ فِي مَجْلِسِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَمَنْ حَضَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ كَمَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ».
الثَّانِي: اخْتِلَافُ الدِّينِ بِالْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ.
الثَّالِثُ: قَاتِلُ الْعَمْدِ لَا يَرِثُ قَرِيبَهُ فِي شَيْءٍ.
الرَّابِعُ: قَاتِلُ الْخَطَأِ لَا يَرِثُ مِنَ الدِّيَةِ شَيْئًا.
وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ الضَّمِيرُ الْمُفْرَدُ عَائِدٌ إِلَى الْمَيِّتِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ إِذْ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي قِسْمَةِ مَالِ الْمَيِّتِ. وَجَاءَ الْكَلَامُ عَلَى طَرِيقَةِ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ
وَالتَّبْلِيغُ يَحْصُلُ بِمَا يَكْفُلُ لِلْمُحْتَاجِ إِلَى مَعْرِفَةِ حُكْمٍ تُمَكِّنُهُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ أَوْ قَبْلَهُ، لِذَلِكَ كَانَ الرَّسُولُ- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- يَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى النَّاسِ عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ وَيَأْمُرُ بِحِفْظِهَا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ وَبِكِتَابَتِهَا، وَيَأْمُرُ النَّاسَ بِقِرَاءَتِهِ وَبِالِاسْتِمَاعِ إِلَيْهِ.
وَقَدْ أَرْسَلَ مُصْعَبًا بْنَ عُمَيْرٍ إِلَى الْمَدِينَةِ قَبْلَ هِجْرَتِهِ لِيُعَلِّمَ الْأَنْصَارَ الْقُرْآنَ. وَكَانَ أَيْضًا يَأْمُرُ السَّامِعَ مَقَالَتَهُ بِإِبْلَاغِهَا مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا، مِمَّا يَكْفُلُ بِبُلُوغِ الشَّرِيعَةِ كُلِّهَا لِلْأَجْيَالِ مِنَ الْأُمَّةِ.
وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَ الْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ يُعْطُونَ النَّاسَ الْعَطَاءَ عَلَى قَدْرِ مَا مَعَهُمْ مِنَ الْقُرْآنِ.
وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ بِكِتَابَةِ الْقُرْآنِ فِي الْمُصْحَفِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَأَكْمَلَ تِلْكَ الْمَزِيَّةَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بِانْتِسَاخِ الْقُرْآنِ فِي الْمَصَاحِفِ وَإِرْسَالِهَا إِلَى أَمْصَارِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ عَيَّنَ لِأَهْلِ الصُّفَّةِ الِانْقِطَاعَ لِحِفْظِ الْقُرْآنِ.
وَالَّذِي ظَهَرَ مِنْ تَتَبُّعِ سِيرَةِ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُبَادِرُ بِإِبْلَاغِ الْقُرْآنِ عِنْدَ نُزُولِهِ، فَإِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ لَيْلًا أَخْبَرَ بِهِ عِنْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ.
وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» ثُمَّ قَرَأَ: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً [الْفَتْح: ١].
وَفِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي تَخَلُّفِهِ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ «فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَنَا عَلَى نَبِيِّهِ حِينَ بَقِيَ الثُّلُثُ الْآخِرُ مِنَ اللَّيْلِ وَرَسُولُ اللَّهِ عِنْدَ أُمِّ سَلمَة، فَقَالَ: يأمّ سَلَمَةَ تِيبَ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَتْ: أَفَلَا أُرْسِلُ إِلَيْهِ فَأُبَشِّرَهُ، قَالَ: «إِذًا يَحْطِمَكُمُ النَّاسُ فَيَمْنَعُونَكُمُ النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلَةِ. حَتَّى إِذَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ آذَنَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا».
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْأَنْعَامِ جُمْلَةً وَاحِدَةً بِمَكَّةَ وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ الْكُتَّابَ فَكَتَبُوهَا مِنْ لَيْلَتِهِمْ.
وَفِي الْإِتْيَانِ بِضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ فِي قَوْلِهِ: إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِيمَاءٌ عَظِيمٌ إِلَى تشريف الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَرْتَبَةِ الْوَسَاطَةِ بَيْنَ اللَّهِ وَالنَّاسِ، إِذْ جَعَلَ الْإِنْزَالَ إِلَيْهِ وَلَمْ يَقُلْ إِلَيْكُمْ أَوْ إِلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ فِي آيَةِ آلِ عِمْرَانَ [١٩٩] وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ، وَقَوْلِهِ: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النَّحْل: ٤٤].
(وَمَنْ) شَرْطِيَّةٌ، وَهِيَ أَدَلُّ عَلَى التَّعْمِيمِ مِنَ الْمَوْصُولَةِ. وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: بِجَهالَةٍ لِلْمُلَابَسَةِ، أَيْ مُلْتَبِسًا بِجَهَالَةٍ.
وَالْمَجْرُورُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ عَمِلَ.
وَالْجَهَالَةُ تُطْلَقُ عَلَى انْتِفَاءِ الْعِلْمِ بِشَيْءٍ مَا. وَتُطْلَقُ عَلَى مَا يُقَابِلُ الْحِلْمَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [١٧]. وَالْمُنَاسِبُ هُنَا هُوَ الْمَعْنَى الثَّانِي، أَيْ مَنْ عَمِلَ سُوءًا عَنْ حَمَاقَةٍ مِنْ نَفْسِهِ وَسَفَاهَةٍ،
لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَأْتِي السَّيِّئَاتِ إِلَّا عَنْ غَلَبَةِ هَوَاهُ رُشْدَهُ وَنُهَاهُ. وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الْمُنَاسِبُ لِتَحْقِيقِ مَعْنَى الرَّحْمَةِ. وَأَمَّا حَمْلُ الْجَهَالَةِ عَلَى مَعْنَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْجَاهِلَ بِالذَّنْبِ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ، فَلَا قُوَّةَ لِتَفْرِيعِ قَوْلِهِ: ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ عَلَيْهِ، إِلَّا إِذَا أُرِيدَ ثُمَّ تَفَطَّنَ إِلَى أَنَّهُ عَمِلَ سُوءًا.
وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: مِنْ بَعْدِهِ عَائِدٌ إِلَى سُوءاً أَيْ بَعْدَ السُّوءِ، أَيْ بَعْدَ عَمَلِهِ.
وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَهُ عَائِدًا إِلَى الْمَصْدَرِ الْمَضْمُونِ فِي (عَمَلِ) مِثْلِ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [الْمَائِدَة: ٨].
وَمَعْنَى أَصْلَحَ صَيَّرَ نَفْسَهُ صَالِحَةً، أَوْ أَصْلَحَ عَمَلَهُ بَعْدَ أَنْ أَسَاءَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ [٣٩]. وَعِنْدَ قَوْلِهِ: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٦٠].
وَجُمْلَةُ: فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ دَلِيلُ جَوَابِ الشَّرْطِ، أَيْ هُوَ شَدِيدُ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ.
وَهَذَا كِنَايَةٌ عَنِ الْمَغْفِرَةِ لِهَذَا التَّائِبِ الْمُصْلِحِ.
وَقَرَأَهُ نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَخَلَفٌ- بِكَسْرِ هَمْزَةِ- فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ عَلَى أنّ الْجُمْلَة موكّدة بإن فَيُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِمَنْ تَابَ لِأَنَّهُ كَثِيرُ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ. وَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ، وَيَعْقُوبُ فَأَنَّهُ- بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ- عَلَى أَنَّهَا (أَنَّ) الْمَفْتُوحَةُ أُخْتُ (إِنَّ)، فَيَكُونُ مَا بعْدهَا مؤوّلا بِمَصْدَرٍ. وَالتَّقْدِيرُ:
فَغُفْرَانُهُ وَرَحْمَتُهُ. وَهَذَا جُزْءُ جُمْلَةٍ يَلْزَمُهُ تَقْدِيرُ خَبَرٍ، أَيْ لَهُ، أَيْ ثَابِتٌ لِمَنْ عَمِلَ سُوءًا ثمَّ تَابَ.
[٥٥]
[سُورَة الْأَنْعَام (٦) : آيَة ٥٥]
وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ
الْعَمَلِ بِمَا تَتَضَمَّنُهُ مِنْ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ، حَتَّى يَحْصُلَ كَمَالُ التَّقْوَى، فَلَا جَرَمَ كَانَ لِكُلِّ آيَةٍ تُتْلَى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ زِيَادَةٌ فِي عَوَارِضِ الْإِيمَانِ مِنْ قُوَّةِ الْيَقِينِ وَتَكْثِيرِ الْأَعْمَالِ فَهَذَا وَصْفٌ رَاسِخٌ لِلْآيَاتِ وَيَجُوزُ أَنْ تُفَسَّرَ زِيَادَةُ الْإِيمَانِ عِنْدَ تِلَاوَةِ الْآيَاتِ بِأَنَّهَا زِيَادَةُ إِدْرَاكٍ لِلْمَعَانِي الْمُؤْمَنِ بِهَا، كَمَا فُسِّرَتْ زِيَادَةُ الْإِيمَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَعْمَالِ، الَّتِي تَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ إِذْ تِلْكَ الْإِدْرَاكَاتُ تَعَلُّقَاتٌ بَعْضُهَا حِسِّيٍّ وَبَعْضُهَا عَقْلِيٌّ.
وَحَظُّ الْمَقَامِ الْمُتَعَلِّقِ بِأَحْكَامِ الْأَنْفَالِ مِنْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ هُوَ أَنَّ سَمَاعَ آيَاتِ حُكْمِ الْأَنْفَالِ يَزِيدُ إِيمَانَ الْمُؤْمِنِينَ قُوَّةً، بِنَبْذِ الشِّقَاقِ والتشاجر الطَّارِئ ببينهم فِي أَنْفَسِ الْأَمْوَالِ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ الْمَالُ الْمُكْتَسَبُ مِنْ سُيُوفِهِمْ، فَإِنَّهُ أَحَبُّ أَمْوَالِهِمْ إِلَيْهِمْ.
وَفِي الْحَدِيثِ «وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي»
(١) وَبِذَلِكَ تَتَّضِحُ الْمُنَاسِبَةُ بَيْنَ ذِكْرِ حُكْمِ الْأَنْفَالِ، وَتَعْقِيبِهِ بِالْأَمْرِ بِالتَّقْوَى وَإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَالطَّاعَةِ، ثُمَّ تَعْلِيلُ ذَلِكَ بِأَنَّ شَأْنَ الْمُؤْمِنِينَ ازْدِيَادُ إِيمَانِهِمْ عِنْدَ تِلَاوَةِ آيَاتِ اللَّهِ.
وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ.
صِلَةٌ ثَالِثَةٌ لِ الْمُؤْمِنُونَ أَوْ حَالٌ مِنْهُ، وَجُعِلَتْ فِعْلًا مُضَارِعًا لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَوَصْفُهُمْ بِالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ الِاعْتِمَادُ عَلَى اللَّهِ فِي الْأَحْوَالِ وَالْمَسَاعِي لِيُقَدِّرَ لِلْمُتَوَكِّلِ تَيْسِيرًا مَرَّةً وَيُعَوِّضُهُ عَنِ الْكَسْبِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِأَحْسَنِ مِنْهُ مِنَ الْحَلَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ.
وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ التَّوَكُّلِ عِنْدَ قَوْلِهِ: فَإِذا عَزَمْتَ، فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [١٥٩].
وَمُنَاسِبَةُ هَذَا الْوَصْفِ لِلْغَرَضِ: أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِالتَّخَلِّي عَنِ الْأَنْفَالِ، وَالرِّضَى بِقِسْمَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا، فَمَنْ كَانَ قَدْ حُرِمَ مِنْ نَفَلِ قَتِيلِهِ يَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ فِي تَعْوِيضِهِ بِأَحْسَنَ مِنْهُ.
وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ فِي قَوْلِهِ: وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِمَّا لِلرِّعَايَةِ عَلَى الْفَاصِلَةِ فَهُوَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْفَصَاحَةِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الِاهْتِمَامِ بِاسْمِ اللَّهِ، وَإِمَّا لِلتَّعْرِيضِ بِالْمُشْرِكِينَ، لِأَنَّهُمْ يَتَوَكَّلُونَ عَلَى إِعَانَةِ الْأَصْنَامِ، قَالَ تَعَالَى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا [مَرْيَم: ٨١] فَيَكُونُ الْكَلَامُ مَدْحًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَتَعْرِيضًا بِذَمِّ الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ فِيهِ تَحْذِيرٌ مِنْ أَنْ تَبْقَى فِي نُفُوسِ الْمُؤْمِنِينَ آثَارٌ مِنَ التَّعَلُّقِ بِمَا نُهُوا عَنِ التَّعَلُّقِ بِهِ، لِتَوَهُّمِهِمْ أَنَّهُمْ إِذَا فَوَّتُوهُ فَقَدْ أَضَاعُوا خَيْرًا من الدُّنْيَا.
[٣]
_________
(١) ذكره البُخَارِيّ تَعْلِيقا فَقَالَ: وَيذكر عَن ابْن عمر عَن النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَوْلُهُ: كَالَّذِي خاضُوا تَشْبِيهٌ لِخَوْضِ الْمُنَافِقِينَ بِخَوْضِ أُولَئِكَ وَهُوَ الْخَوْضُ الَّذِي حُكِيَ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ [التَّوْبَة: ٦٥] وَلِبَسَاطَةِ هَذَا التَّشْبِيهِ لَمْ يُؤْتَ فِيهِ بِمِثْلِ الْأُسْلُوبِ الَّذِي أُتِيَ بِهِ فِي التَّشْبِيهِ السَّابِقِ لَهُ. أَيْ: وَخُضْتُمْ فِي الْكُفْرِ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ كَالْخَوْضِ الَّذِي خَاضُوهُ فِي ذَلِكَ، فَأَنْتُمْ وَهَمَ سَوَاءٌ، فَيُوشِكُ أَنْ يَحِيقَ بِكُمْ مَا حَاقَ بِهِمْ، وَكَلَامُنَا فِي هَذَيْنِ التَّشْبِيهَيْنِ أَدَقُّ مَا كتب فيهمَا.
وكَالَّذِي اسْمٌ مَوْصُولٌ، مُفْرَدٌ، وَإِذْ كَانَ عَائِدُ الصِّلَةِ هُنَا ضَمِيرَ جَمْعٍ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ المُرَاد ب كَالَّذِي: تَأْوِيلُهُ بِالْفَرِيقِ أَوِ الْجَمْعِ، وَيَجُوزُ أَن يكون كَالَّذِي هُنَا أَصْلُهُ الَّذِينَ فَخُفِّفَ بِحَذْفِ النُّونِ عَلَى لُغَةِ هُذَيْلٍ وَتَمِيمٍ كَقَوْلِ الْأَشْهب بن زميلة النَّهْشَلِيِّ:
وَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ هُمُ الْقَوْمُ كُلُّ الْقَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ
وَنُحَاةُ الْبَصْرَةِ يَرَوْنَ هَذَا الِاسْتِعْمَالَ خَاصًّا بِحَالَةِ أَنْ تَطُولَ الصِّلَةُ كَالْبَيْتِ فَلَا يَنْطَبِقُ
عِنْدَهُمْ عَلَى الْآيَةِ، وَنُحَاةُ الْكُوفَةِ يُجَوِّزُونَهُ وَلَوْ لَمْ تَطُلِ الصِّلَةُ، كَمَا فِي الْآيَةِ، وَقَدِ ادَّعَى الْفَرَّاءُ: أَنَّ الَّذِي يَكُونُ مَوْصُولًا حَرْفِيًّا مُؤَوَّلًا بِالْمَصْدَرِ، وَاسْتَشْهَدَ لَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَلَمَّا وُصِفَتْ حَالَةُ الْمُشَبَّهِ بِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الْبَائِدَةِ أَعْقَبَ ذَلِكَ بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِمْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ كَانُوا جَدِيرِينَ بِمَا سَيُخْبَرُ بِهِ عَنْهُمْ، فَقَالَ تَعَالَى: أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأَنَّ الَّذِينَ شَابَهُوهُمْ فِي أَحْوَالِهِمْ أَحْرِيَاءُ بِأَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مَا حَلَّ بِأُولَئِكَ، وَفِي هَذَا التَّعْرِيضِ مِنَ التَّهْدِيدِ وَالنِّذَارَةِ مَعْنًى عَظِيمٌ.
وَالْخَوْضُ: تَقَدَّمَتِ الْحَوَالَةُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ آنِفًا.
وَالْحَبْطُ: الزَّوَالُ وَالْبُطْلَانُ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢١٧].
وَالْمُرَادُ بِأَعْمَالِهِمْ: مَا كَانُوا يَعْمَلُونَهُ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ: مِنْ مُعَالَجَةِ الْأَمْوَالِ وَالْعِيَالِ وَالِانْكِبَابِ عَلَيْهِمَا، وَمَعْنَى حَبْطِهَا فِي الدُّنْيَا اسْتِئْصَالُهَا وَإِتْلَافُهَا بِحُلُولِ مُخْتَلِفِ الْعَذَابِ
الْمَقْصُودُ الْإِفْضَاءُ إِلَى أَنَّهُمْ صَمَّمُوا عَلَى الْإِعْرَاضِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَحَلُّ تَمْثِيلِ أَعْمَالِهِمْ بِحَالِ مُشْرِكِي أَهْلِ مَكَّةَ.
وَفِعْلُ آمَنَ أَصْلُهُ (أَأْمَنَ) بِهَمْزَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا أَصْلِيَّةٌ فِي الْكَلِمَةِ لِأَنَّ الْكَلِمَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْأَمَانَةِ، وَالثَّانِيَةُ هَمْزَةٌ مَزِيدَةٌ لِلتَّعْدِيَةِ، أَيْ جَعَلَهُ ذَا أَمَانَةٍ، أَيْ غَيْرَ كَاذِبٍ فَصَارَ فِعْلُ آمَنَ بِمَعْنَى صَدَّقَ، وَحَقُّهُ أَنْ يُعَدَّى إِلَى الْمَفْعُولِ بِنَفْسِهِ وَلَكِنْ عُدِّيَ بِاللَّامِ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ (آمَنَ) بِمَعْنَى صَدَّقَ مِنَ الْأَمَانَةِ وَبَيْنَ (آمَنَ) بِمَعْنَى جَعَلَهُ فِي أَمْنٍ، أَيْ لَا خَوْفَ عَلَيْهِ مِنْهُ.
وَهَذِهِ اللَّامُ سَمَّاهَا ابْنُ مَالِكٍ لَامَ التَّبْيِينِ وَتَبِعَهُ ابْنُ هِشَامٍ، وَهِيَ تَدْخُلُ عَلَى الْمَفْعُولِ لِتَقْوِيَةِ مَعْنَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَيُؤَكِّدُ قَصْدَ التَّقْوِيَةِ فِي مِثْلِ فِعْلِ (آمَنَ) بِمَعْنَى صَدَّقَ دَفْعَ أَنْ يَلْتَبِسَ بِفِعْلِ (آمَنَهُ) إِذَا جَعَلَهُ فِي أَمْنٍ وَسَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ [٩٠].
وَقَدْ يُعَدَّى بِالْبَاءِ لِتُضَمُّنِهِ مَعْنَى صَدَّقَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ [يُونُس: ٩٠].
وَالذُّرِّيَّةُ: الْأَبْنَاءُ وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [٣٤]. أَيْ فَمَا آمَنَ بِمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى إِلَّا أَبْنَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَبْلُغْ دَعْوَتُهُ بَقِيَّةَ قَوْمِهِ أَوْ لَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّبْلِيغِ إِلَيْهِم حِينَئِذٍ.
و (على) فِي قَوْلِهِ: عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ بِمَعْنَى (مَعَ) مِثْلُ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ أَيْ آمَنُوا مَعَ خَوْفِهِمْ، وَهِيَ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ (ذُرِّيَّةِ)، أَيْ فِي حَالِ خَوْفِهِمِ الْمُتَمَكِّنِ مِنْهُمْ. وَهَذَا ثَنَاءٌ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا وَلَمْ يَصُدَّهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ خَوْفُهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ آمَنُوا عِنْدَ ظُهُورِ مُعْجِزَتِهِ، أَيْ أَعْلَنُوا الْإِيمَانَ بِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْطِنِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ لَا يُعَرَفُ إِلَّا بِإِظْهَارِهِ وَلَا فَائِدَةَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ الْإِظْهَارُ. أَيْ مِنَ الْحَاضِرِينَ
وَالْخَاطِئُ: فَاعِلُ الْخَطِيئَةِ، وَهِيَ الْجَرِيمَةُ. وَجَعَلَهَا مِنْ زُمْرَةِ الَّذِينَ خَطِئُوا تَخْفِيفًا فِي مُؤَاخَذَتِهَا. وَصِيغَةُ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ تَغْلِيبٌ.
وَجُمْلَةُ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا مِنْ قَوْلِ الْعَزِيزِ إِذْ هُوَ صَاحِبُ الْحُكْمِ.
وَجُمْلَةُ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ عطف عَلَى جُمْلَةِ يُوسُفُ أَعْرِضْ فِي كَلَامِ الْعَزِيزِ عَطْفُ أَمْرٍ عَلَى أَمْرٍ وَالْمَأْمُورُ مُخْتَلِفٌ. وَكَافُ الْمُؤَنَّثَةِ الْمُخَاطَبَةِ مُتَعَيِّنٌ أَنَّهُ خِطَابٌ لِامْرَأَةِ الْعَزِيزِ، فَالْعَزِيزُ بَعْدَ أَنْ خَاطَبَهَا بِأَنَّ مَا دَبَّرَتْهُ هُوَ مِنْ كَيْدِ النِّسَاءِ وَجَّهَ الْخِطَابَ إِلَى يُوسُفَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- بِالنِّدَاءِ ثُمَّ أَعَادَ الْخِطَابَ إِلَى الْمَرْأَةِ.
وَهَذَا الْأُسْلُوبُ مِنَ الْخِطَابِ يُسَمَّى بِالْإِقْبَالِ، وَقَدْ يُسَمَّى بِالِالْتِفَاتِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ عِنْدَ الِالْتِفَاتِ الْبَلَاغِيِّ، وَهُوَ عَزِيزٌ فِي الْكَلَامِ الْبَلِيغِ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْجَرْمِيِّ مِنْ طَيٍّ مِنْ شُعَرَاءِ الْحَمَاسَةِ:
إِخَالُكَ مُوعِدِي بِبُنِّيٍّ جُفَيْفٍ وَهَالَةَ إِنَّنِي أَنْهَاكِ هَالَا
قَالَ الْمَرْزُوقِيُّ فِي «شَرْحِ الْحَمَاسَةِ» : وَالْعَرَبُ تَجْمَعُ فِي الْخِطَابِ وَالْإِخْبَارِ بَيْنَ عِدَّةٍ
ثُمَّ تُقْبِلُ أَوْ تَلْتَفِتُ مِنْ بَيْنِهِمْ إِلَى وَاحِدٍ لِكَوْنِهِ أَكْبَرَهُمْ أَوْ أَحْسَنَهُمْ سَمَاعًا وأخصّهم بِالْحَال.
[٣٠]
[سُورَة يُوسُف (١٢) : آيَة ٣٠]
وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٠)
النِّسْوَةُ: اسْمُ جَمْعِ امْرَأَةٍ لَا مُفْرَدَ لَهُ، وَهُوَ اسْمُ جَمْعِ قِلَّةٍ مِثْلُهُ نِسَاءٌ. وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [٦١].
وَقَوْلُهُ: فِي الْمَدِينَةِ صِفَةٌ لِنِسْوَةٍ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ أَنَّهُنَّ كُنَّ مُتَفَرِّقَاتٍ فِي دِيَارٍ مِنَ الْمَدِينَةِ. وَهَذِهِ الْمَدِينَةُ هِيَ قَاعِدَةُ مِصْرَ السُّفْلَىِِ
لِكُلِّ شَيْءٍ [سُورَة النَّحْل: ٨٩] إِلَخْ، وَلِأَنْ تَكُونَ مُقَدِّمَةً لِمَا بَعْدَهَا وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ [سُورَة النَّحْل: ٩١] الْآيَةَ.
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَجْمَعُ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ.
وَعَنْ قَتَادَةَ: لَيْسَ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْمَلُونَ بِهِ وَيَسْتَحْسِنُونَهُ إِلَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَلَيْسَ مِنْ خُلُقٍ كَانُوا يَتَعَايَرُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَقَدَحَ فِيهِ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ سَفَاسِفِ الْأَخْلَاقِ وَمَذَامِّهَا.
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أَمر الله نبيئه أَنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ، فَخَرَجَ، فَوَقَفَ عَلَى مَجْلِسِ قَوْمٍ مِنْ شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ فِي الْمَوْسِمِ. فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَنْ يَنْصُرُوهُ، فَقَالَ مَفْرُوقُ بْنُ عَمْرٍو مِنْهُمْ: إِلَامَ تَدْعُونَا أَخَا قُرَيْشٍ، فَتَلَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ الْآيَةَ. فَقَالَ: دَعَوْتَ وَاللَّهِ إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ وَلَقَدْ أَفِكَ قَوْمٌ كَذَّبُوكَ وَظَاهَرُوا عَلَيْكَ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْفِقْرَاتِ الشَّهِيرَةَ الَّتِي شَهِدَ بِهَا الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ لِلْقُرْآنِ مِنْ قَوْلِهِ: «إِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً، وَإِنَّ أَعْلَاهُ لَمُثْمِرٌ، وَإِنَّ أَسْفَلَهُ لَمُغْدِقٌ، وَمَا هُوَ بِكَلَامِ بَشَرٍ» قَالَهَا عِنْدَ سَمَاعِ هَذِهِ الْآيَةِ.
وَقَدِ اهْتَدَى الْخَلِيفَةُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ- رَحِمَهُ اللَّهُ- إِلَى مَا جَمَعَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ مَعَانِي الْخَيْرِ فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ سَنَةَ ٩٩ كَتَبَ يَأْمُرُ الْخُطَبَاءَ بِتِلَاوَةِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي الْخُطْبَةِ يَوْمَ
الْجُمْعَةِ وَتُجْعَلُ تِلَاوَتُهَا عِوَضًا عَمَّا كَانُوا يَأْتُونَهُ فِي خُطْبَةِ الْجُمْعَةِ مِنْ كَلِمَاتِ سَبِّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. وَفِي تِلَاوَةِ هَذِهِ الْآيَةِ عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ السَّبِّ دَقِيقَةٌ أَنَّهَا تَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ السَّبِّ إِذْ هُوَ مَنَّ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغِيِّ.
وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تعْيين الْوَقْت الَّتِي ابْتُدِعَ فِيهِ هَذَا السَّبُّ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-.
وَ (أَمْ) هَذِهِ هِيَ (أَمِ) الْمُنْقَطِعَةُ بِمَعْنَى (بَلْ)، وَهِيَ مُلَازِمَةٌ لِتَقْدِيرِ الِاسْتِفْهَامِ مَعَهَا، يُقَدَّرُ بَعْدَهَا حَرْفُ اسْتِفْهَامٍ، وَقَدْ يَكُونُ ظَاهِرًا بَعْدَهَا كَقَوْلِ أُفْنُونٍ التَّغْلِبِيِّ:
أَنَّى جَزَوْا عَامِرًا سوءا بضعته أَمْ كَيْفَ يَجْزُونَنِي السُّوأَى عَنِ الْحَسَنِ
وَالِاسْتِفْهَامُ الْمُقَدَّرُ بَعْدَ (أَمْ) تَعْجِيبِيٌّ مِثْلُ الَّذِي فِي الْبَيْتِ.
وَالتَّقْدِيرُ هُنَا: أَحَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ كَانُوا عَجَبًا مِنْ بَيْنِ آيَاتِنَا، أَيْ أَعْجَبَ مِنْ بَقِيَّةِ آيَاتِنَا، فَإِنَّ إِمَاتَةَ الْأَحْيَاءِ بَعْدَ حَيَاتِهِمْ أَعْظَمُ مِنْ عَجَبِ إِنَامَةِ أَهْلِ الْكَهْفِ. لِأَنَّ فِي إِنَامَتِهِمْ إِبْقَاءٌ لِلْحَيَاةِ فِي أَجْسَامِهِمْ وَلَيْسَ فِي إِمَاتَةِ الْأَحْيَاءِ إِبْقَاءٌ لِشَيْءٍ مِنَ الْحَيَاةِ فِيهِمْ عَلَى كَثْرَتِهِمْ وَانْتِشَارِهِمْ. وَهَذَا تَعْرِيضٌ بِغَفْلَةِ الَّذِينَ طَلَبُوا من النبيء صلّى الله عَلَيْهِ وَآله وسلّم بَيَانَ قِصَّةِ أَهْلِ الْكَهْفِ لِاسْتِعْلَامِ مَا فِيهَا مِنَ الْعَجَبِ، بِأَنَّهُمْ سَأَلُوا عَنْ عَجِيبٍ وَكَفَرُوا بِمَا هُوَ أَعْجَبُ، وَهُوَ انْقِرَاضُ الْعَالَمِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُعْرِضُونَ عَنْ ذِكْرِ فَنَاءِ الْعَالَمِ وَيَقُولُونَ: مَا هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية: ٢٤]. أَيْ إِنِ الْحَيَاةُ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا لَا حَيَاةُ الْآخِرَةُ وَإِنَّ الدَّهْرَ يُهْلِكُنَا وَهُوَ بَاقٍ.
وَفِيهِ لَفْتٌ لِعُقُولِ السَّائِلِينَ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِعَجَائِبِ الْقَصَصِ إِلَى أَنَّ الْأَوْلَى لَهُمُ الِاتِّعَاظُ بِمَا فِيهَا مِنَ الْعِبَرِ وَالْأَسْبَابِ وَآثَارِهَا. وَلِذَلِكَ ابْتُدِئَ ذِكْرُ أَحْوَالِهِمْ بِقَوْلِهِ: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً [الْكَهْف: ١٠] فَأَعْلَمَ النَّاسَ بِثَبَاتِ إِيمَانِهِمْ بِاللَّهِ وَرَجَائِهِمْ فِيهِ، وَبِقَوْلِهِ: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً [الْكَهْف: ١٣]. الْآيَاتِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُمْ أَبْطَلُوا الشِّرْكَ وَسَفَّهُوا أَهْلَهُ تَعْرِيضًا بِأَنَّ حَقَّ السَّامِعِينَ أَنْ يَقْتَدُوا بِهُدَاهُمْ.
وَالْخطاب للنبيء صلّى الله عَلَيْهِ وَآله وسلّم. وَالْمُرَادُ: قَوْمُهُ الَّذِينَ سَأَلُوا عَنِ الْقِصَّةِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ الَّذِينَ أَغْرَوْهُمْ بِالسُّؤَالِ عَنْهَا وَتَطَلُّبِ بَيَانِهَا. وَيُظْهِرُ أَنَّ الَّذِينَ لَقَّنُوا قُرَيْشًا السُّؤَالَ عَنْ أَهْلِ الْكَهْفِ
هُمْ بَعْضُ النَّصَارَى الَّذِينَ لَهُمْ صِلَةٌ

[سُورَة طه (٢٠) : الْآيَات ٦٧ إِلَى ٦٩]

فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٦٧) قُلْنا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩)
أَوْجَسَ: أَضْمَرَ وَاسْتَشْعَرَ. وَانْتِصَابُ خِيفَةً عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، أَيْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً فِي سُورَةِ هُودٍ [٧٠].
وخِيفَةً اسْمُ هَيْئَةٍ مِنَ الْخَوفِ، أُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ الْمَصْدَرِ، وَأَصْلُهُ خِوْفَةٌ، فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِوُقُوعِهَا إِثْرَ كَسْرَةٍ.
وَزِيَادَةُ فِي نَفْسِهِ هُنَا لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهَا خِيفَةُ تَفَكُّرٍ لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهَا عَلَى مَلَامِحِهِ.
وَإِنَّمَا خَافَ مُوسَى مِنْ أَنْ يَظْهَرَ أَمْرُ السَّحَرَةِ فَيُسَاوِي مَا يَظْهَرُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ انْقِلَابِ عَصَاهُ ثُعْبَانًا، لِأَنَّهُ يَكُونُ قَدْ سَاوَاهُمْ فِي عَمَلِهِمْ وَيَكُونُونَ قَدْ فَاقُوهُ بِالْكَثْرَةِ، أَوْ خَشِيَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَرَادَ اسْتِدْرَاجَ السَّحَرَةِ مُدَّةً فَيُمْلِي لَهُمْ بِظُهُورِ غَلَبِهِمْ عَلَيْهِ وَمَدِّهِ لِمَا تَكُونُ لَهُ الْعَاقِبَةُ فَخَشِيَ ذَلِكَ. وَهَذَا مَقَامُ الْخَوْفِ، وَهُوَ مَقَامٌ جَلِيلٌ مِثْلُهُ مَقَامُ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ إِذْ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ نَصْرَكَ وَوَعْدَكَ اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ».
وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْنا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى فَتَأْكِيدُ الْجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ وَتَقْوِيَةُ تَأْكِيدِهَا بِضَمِيرِ الْفَصْلِ وَبِالتَّعْرِيفِ فِي الْأَعْلى دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا خَامَرَهُ مِنَ الْخَوْفِ إِنَّمَا هُوَ خَوْفُ ظُهُورِ السَّحَرَةِ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَلَوْ فِي وَقْتٍ مَا. وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُوقِنًا
: ٢٦].
[٣٤، ٣٥]
[سُورَة الْحَج (٢٢) : الْآيَات ٣٤ الى ٣٥]
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى مَا أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا.
عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الْحَج: ٣٣].
وَالْأُمَّةُ: أَهْلُ الدِّينِ الَّذِينَ اشْتَرَكُوا فِي اتِّبَاعِهِ. وَالْمُرَادُ: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ مَنْسَكٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْبَيْتُ الْعَتِيقُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الرَّدُّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ إِذْ جَعَلُوا لِأَصْنَامِهِمْ مَنَاسِكَ تُشَابِهُ مَنَاسِكَ الْحَجِّ وَجَعَلُوا لَهَا مَوَاقِيتَ وَمَذَابِحَ مِثْلَ الْغَبْغَبِ مَنْحَرِ الْعُزَّى، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ مَا جَعَلَ لِكُلِّ أُمَّةٍ إِلَّا مَنْسَكًا وَاحِدًا لِلْقُرْبَانِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي رَزَقَ النَّاسَ الْأَنْعَامَ الَّتِي يَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِ مِنْهَا فَلَا يَحِقُّ أَنْ يُجْعَلَ لِغَيْرِ اللَّهِ مَنْسَكٌ لِأَنَّ مَا لَا يَخْلُقُ الْأَنْعَامَ الْمُقَرَّبَ بِهَا وَلَا يَرْزُقُهَا النَّاسَ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُجْعَلَ لَهُ مَنْسَكٌ لِقُرْبَانِهَا فَلَا تَتَعَدَّدُ الْمَنَاسِكَ.
فَالتَّنْكِيرُ فِي قَوْلِهِ مَنْسَكاً للإفراد، أَي وَاحِدًا لَا مُتَعَددًا، ومحلّ الْفَائِدَة هُوَ إِسْنَاد الْجعل إِلَى ضمير الْجَلالَة.
وَقد دلّ على ذَلِك قَوْله: لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَأَدَلُّ عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ بِقَوْلِهِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ. وَالْكَلَامُ يُفِيدُ الِاقْتِدَاءَ بِبَقِيَّةِ الْأُمَمِ أَهْلِ الْأَدْيَانِ الْحَقِّ.
وعَلى يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلِاسْتِعْلَاءِ الْمَجَازِيِّ مُتَعَلقَة ب لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ مَعَ تَقْدِيرِ مُضَافٍ بَعْدَ عَلى تَقْدِيرُهُ: إِهْدَاءِ مَا رَزَقَهُمْ، أَيْ عِنْدَ إِهْدَاءِ مَا رَزَقَهُمْ، يَعْنِي وَنَحْرَهَا أَوْ ذَبْحَهَا.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَلى بِمَعْنَى: لَامِ التَّعْلِيلِ. وَالْمَعْنَى: لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ لِأَجْلِ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ.
وَالصَّافَّاتُ مِنْ صِفَاتِ الطَّيْرِ يُرَادُ بِهِ صَفُّهُنَّ أَجْنِحَتَهُنَّ فِي الْهَوَاءِ حِينَ الطَّيَرَانِ.
وَتَخْصِيصُ الطَّيْرِ بِالذِّكْرِ مِنْ بَيْنِ الْمَخْلُوقَاتِ لِلْمُقَابَلَةِ بَيْنَ مَخْلُوقَاتِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ بِذِكْرِ مَخْلُوقَاتٍ فِي الْجَوِّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلِذَلِكَ قُيِّدَتْ بِ صَافَّاتٍ.
وَفِعْلُ عَلِمَ مُرَادٌ بِهِ الْمَعْرِفَةُ لِظُهُورِ الْفَرْقِ بَيْنَ عِلْمِ الْعُقَلَاءِ بِصَلَاتِهِمْ وَعِلْمِ الطَّيْرِ بِتَسْبِيحِهَا فَإِنَّ الثَّانِي مُجَرَّدُ شُعُورٍ وَقَصْدٌ لِلْعَمَلِ.
وَضَمَائِرُ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ رَاجِعَةٌ إِلَى كُلٌّ لَا مَحَالَةَ.
وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهَا التَّوْزِيعَ عَلَى مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرِ مِنْ جِهَةٍ وَعَلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ مِنْ جِهَةٍ لَوَقَعَ ضَمِيرُ فَصْلٍ بَعْدَ عَلِمَ فَلَكَانَ رَاجِعًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَالرُّؤْيَةُ هُنَا بَصَرِيَّةٌ لِأَنَّ تَسْبِيحَ الْعُقَلَاءِ مَشَاهَدٌ لِكُلِّ ذِي بَصَرٍ، وَتَسْبِيحَ الطَّيْرِ مَشَاهِدٌ بِاعْتِبَارِ مُسَمَّاهُ فَمَا عَلَى النَّاظِرِ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ الْمُسَمَّى جَدِيرٌ بِاسْمِ التَّسْبِيحِ.
وَعَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ كَانَ الِاسْتِفْهَامُ الْإِنْكَارِيُّ مَكِينَ الْوَقْعِ.
وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: إِنْ جُمْلَةَ أَلَمْ تَرَ جَارِيَةٌ مَجْرَى الْأَمْثَالِ فِي كَلَامِ الْبُلَغَاءِ فَلَا الْتِفَاتَ فِيهَا إِلَى مَعْنَى الرُّؤْيَةِ.
وَقِيلَ: الرُّؤْيَةُ هُنَا قَلْبِيَّةٌ. وَأَغْنَى الْمَصْدَرُ عَنِ الْمَفْعُولَيْنِ.
وَجُمْلَةُ: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ تَذْيِيلٌ وَهُوَ إِعْلَامٌ بِسَعَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى الشَّامِلِ لِلتَّسْبِيحِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَحْوَالِ.
وَالْإِتْيَانُ بِضَمِيرِ جَمْعِ الْعُقَلَاءِ تَغْلِيبٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٤٣] وَقَوْلِهِ: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فِي سُورَة الْأَنْعَام [٦].
[٤٢]
[سُورَة النُّور (٢٤) : آيَة ٤٢]
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ
تَكُونَ عَارِفَةً بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ مَكْتُوبًا بِالْعَرَبِيَّةِ الْقَحْطَانِيَّةِ، فَإِنَّ عَظَمَةَ مُلْكِ سُلَيْمَانَ لَا تَخْلُو مِنْ كُتَّابٍ عَارِفِينَ بِلُغَاتِ الْأُمَمِ الْمُجَاوِرَةِ لِمَمْلَكَتِهِ، وَكَوْنُهُ بَلُغَتِهِ أَظْهَرُ وَأَنْسَبُ بِشِعَارِ الْمُلُوكِ، وَقَدْ كَتَبَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُلُوكِ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ.
أَمَّا الْكَلَامُ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَهُوَ تَرْجَمَةُ الْكِتَابِ إِلَى اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الْفُصْحَى بِتَضْمِينِ دَقَائِقِهِ وَخُصُوصِيَّاتِ اللُّغَةِ الَّتِي أُنْشِئَ بِهَا.
وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ هُوَ مِنْ كَلَامِ الْمَلِكَةِ ابْتَدَأَتْ بِهِ مُخَاطَبَةَ أَهْلِ مَشُورَتِهَا لِإِيقَاظِ أَفْهَامِهِمْ إِلَى التَّدَبُّرِ فِي مَغْزَاهُ لِأَنَّ اللَّائِقَ بِسُلَيْمَانَ أَنْ لَا يُقَدِّمَ فِي كِتَابِهِ شَيْئًا قَبْلَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ مَعْرِفَةَ اسْمِ سُلَيْمَانَ تُؤْخَذُ مِنْ خَتْمِهِ وَهُوَ خَارِجُ الْكِتَابِ فَلِذَلِكَ ابْتَدَأَتْ بِهِ أَيْضًا.
وَالتَّأْكِيدُ بِ (إِنَّ) فِي الْمَوْضِعَيْنِ يُتَرْجِمُ عَمَّا فِي كَلَامِهِمَا بِاللُّغَةِ السَّبَائِيَّةِ مِنْ عِبَارَاتٍ دَالَّةٍ عَلَى اهْتِمَامِهَا بِمُرْسِلِ الْكِتَابِ وَبِمَا تَضَمَّنَهُ الْكِتَابُ اهْتِمَامًا يُؤَدَّى مِثْلُهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ الْفُصْحَى بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الِاهْتِمَامِ فِي مَقَامٍ لَا شَكَّ فِيهِ.
وَتَكْرِيرُ حَرْفِ (إِنَّ) بَعْدَ وَاوِ الْعَطْفِ إِيمَاءٌ إِلَى اخْتِلَافِ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ذَات الْكتاب، وَالْمُرَادَ بِالْمَعْطُوفِ مَعْنَاهُ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، كَمَا تَقُولُ: إِنَّ فَلَانًا لَحَسَنُ الطَّلْعَةِ وَإِنَّهُ لَزَكِيٌّ. وَهَذَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِ إِعَادَةِ الْعَامِلِ بَعْدَ حَرْفِ الْعَطْفِ مَعَ إِغْنَاءِ حَرْفِ الْعَطْفِ عَنْ ذِكْرِ الْعَامِلِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
[النِّسَاء: ٥٩]، أُعِيدَ أَطِيعُوا لِاخْتِلَافِ مَعْنَى الطَّاعَتَيْنِ، لِأَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ تَنْصَرِفُ إِلَى الْأَعْمَالِ الدِّينِيَّةِ، وَطَاعَةَ الرَّسُولِ مُرَادٌ بِهَا طَاعَتُهُ فِي التَّصَرُّفَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَلِذَلِكَ عُطِفَ عَلَى الرَّسُولِ أُولُو الْأَمْرِ مِنَ الْأُمَّةِ.
وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ حِكَايَةٌ لِمَقَالِهَا، وَعَرَفَتْ هِيَ ذَلِكَ مِنْ عُنْوَانِ الْكِتَابِ بِأَعْلَاهُ أَوْ بِظَاهِرِهِ عَلَى حَسَبِ طَرِيقَةِ الرَّسَائِلِ السُّلْطَانِيَّةِ فِي ذَلِكَ الْعَهْدِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، مِثْلُ افْتِتَاحِ كُتُبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُلُوكِ بِجُمْلَةِ: «مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ».
هَذِهِ الْآيَةِ تَفْسِيرًا مَقْبُولًا أَنْ نَعْتَبِرَ حُكْمَهَا عَامًّا فِي كُلِّ صَلَاةٍ فَلَا يَخْتَصُّ بِصَلَوَاتِ الْأَبْرَارِ، وَبِذَلِكَ تَسْقُطُ عِدَّةُ وُجُوهٍ مِمَّا فَسَّرُوا بِهِ الْآيَةَ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: «وَذَلِكَ عِنْدِي بِأَنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا كَانَ عَلَى الْوَاجِبِ مِنَ الْخُشُوعِ وَالْإِخْبَاتِ صَلُحَتْ بِذَلِكَ نَفْسُهُ وَخَامَرَهَا ارْتِقَابُ اللَّهِ تَعَالَى فَاطَّرَدَ ذَلِكَ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَانْتَهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ» اه. وَفِيهِ اعْتِبَارُ قُيُودٍ فِي الصَّلَاةِ لَا تُنَاسِبُ التَّعْمِيمَ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ شَأْنِ الصَّلَاةِ الَّتِي يَحِقُّ أَنْ يُلَقَّنَهَا الْمُسْلِمُونَ فِي ابْتِدَاءِ تَلْقِينِهِمْ قَوَاعِدَ الْإِسْلَامِ.
وَالْوَجْهُ عِنْدِي فِي مَعْنَى الْآيَةِ: أَنْ يُحْمَلَ فِعْلُ تَنْهى عَلَى الْمَجَازِ الْأَقْرَبِ إِلَى الْحَقِيقَةِ وَهُوَ تَشْبِيهُ مَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ بِالنَّهْيِ، وَتَشْبِيهُ الصَّلَاةِ فِي اشْتِمَالِهَا عَلَيْهِ بِالنَّاهِي، وَوَجْهُ الشَّبَهِ أَنَّ الصَّلَاةَ تَشْتَمِلُ عَلَى مُذَكِّرَاتٍ بِاللَّهِ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَكُونَ لِلْمُصَلِّي كَالْوَاعِظِ الْمُذَكِّرِ بِاللَّهِ تَعَالَى إِذْ يَنْهَى سَامِعَهُ عَنِ ارْتِكَابِ مَا لَا يُرْضِي اللَّهَ.
وَهَذَا كَمَا يُقَالُ: صَدِيقُكَ مِرْآةٌ تَرَى فِيهَا عُيُوبَكَ. فَفِي الصَّلَاةِ مِنَ الْأَقْوَالِ تَكْبِيرٌ لِلَّهِ وتحميده وتسبيحه والتوجيه إِلَيْهِ بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى التَّحْمِيدِ وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ وَالِاعْتِرَافِ بِالْعُبُودِيَّةِ لَهُ وَطَلَبِ الْإِعَانَةِ وَالْهِدَايَةِ مِنْهُ وَاجْتِنَابِ مَا يُغْضِبُهُ وَمَا هُوَ ضَلَالٌ، وَكُلُّهَا تُذَكِّرُ بِالتَّعَرُّضِ إِلَى مَرْضَاةِ اللَّهِ وَالْإِقْلَاعِ عَنْ عِصْيَانِهِ وَمَا يُفْضِي إِلَى غَضَبِهِ فَذَلِكَ صَدٌّ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ.
وَفِي الصَّلَاةِ أَفْعَالٌ هِيَ خُضُوعٌ وَتَذَلُّلٌ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَذَلِكَ يُذَكِّرُ بِلُزُومِ اجْتِلَابِ مَرْضَاتِهِ وَالتَّبَاعُدِ عَنْ سَخَطِهِ. وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يَصُدُّ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ.
وَفِي الصَّلَاةِ أَعْمَالٌ قَلْبِيَّةٌ مِنْ نِيَّةٍ وَاسْتِعْدَادٍ لِلْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَذَلِكَ يُذَكِّرُ بِأَنَّ الْمَعْبُودَ جَدِيرٌ بِأَنْ تُمْتَثَلَ أَوَامِرُهُ وَتُجْتَنَبَ نَوَاهِيهِ.
فَكَانَتِ الصَّلَاةُ بِمَجْمُوعِهَا كَالْوَاعِظِ النَّاهِي عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَمْ يَقِلْ تَصُدُّ وَتَحُولُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي صَرْفَ الْمُصَلِّي عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ.
وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ الَّذِي نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي شَأْنِهِ كَانَ غَرِيبًا مِنْ بَنِي كَلْبٍ مِنْ وَبَرَةَ، مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَكَانَ أَبُوهُ حَارِثَةُ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ ابْنَيْهِ جَبَلَةً وَزَيْدًا فَبَقِيَا فِي حِجْرِ جَدِّهِمَا، ثُمَّ جَاءَ عَمَّاهُمَا فَطَلَبَا مِنَ الْجَدِّ كَفَالَتَهُمَا فَأَعْطَاهُمَا جَبَلَةَ وَبَقِيَ زَيْدٌ عِنْدَهُ فَأَغَارَتْ عَلَى الْحَيِّ خَيْلٌ مِنْ تِهَامَةَ فَأَصَابَتْ زَيْدًا فَأَخَذَ جَدُّهُ يَبْحَثُ عَنْ مَصِيرِهِ، وَقَالَ أَبْيَاتًا مِنْهَا:
بَكَيْتُ عَلَى زَيْدٍ وَلَمْ أَدْرِ مَا فَعَلْ أَحَيٌّ فَيُرْجَى أَمْ أَتَى دُونَهُ الْأَجَلْ
وَأَنَّهُ عَلِمَ أَنْ زَيْدًا بِمَكَّةَ وَأَنِ الَّذِينَ سَبَوْهُ بَاعُوهُ بِمَكَّةَ فَابْتَاعَهُ حَكِيمُ بْنُ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ فَوَهَبَهُ لِعَمَّتِهِ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ زَوْجِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَهَبَتْهُ خَدِيجَةُ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقَامَ عِنْدَهُ زَمَنًا ثُمَّ جَاءَ جَدُّهُ وَعَمُّهُ يَرْغَبَانِ فِي فِدَائِهِ فَأَبَى الْفِدَاءَ وَاخْتَارَ الْبَقَاءَ عَلَى الرِّقِّ عِنْدَ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحِينَئِذٍ أَشْهَدَ النَّبِيءُ قُرَيْشًا أَنَّ زَيْدًا ابْنُهُ يَرِثُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَرَضِيَ أَبُوهُ وَعَمُّهُ وَانْصَرَفَا فَأَصْبَحَ يُدْعَى: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ. وَقُتِلَ زَيْدٌ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ.
ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ.
اسْتِئْنَافٌ اعْتِرَاضِيٌّ بَيْنَ التَّمْهِيدِ وَالْمَقْصُودِ مِنَ التَّشْرِيعِ وَهُوَ فَذْلَكَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْجُمَلِ الثَّلَاثِ الَّتِي نَفَتْ جَعْلَهُمْ مَا لَيْسَ بِوَاقِعٍ وَاقِعًا، وَلِذَلِكَ فُصِلَتِ الْجُمْلَةُ لِأَنَّهَا تَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْبَيَانِ بِالتَّحْصِيلِ لِمَا قَبْلَهَا.
وَالْإِشَارَةُ إِلَى مَذْكُورٍ ضِمْنًا مِنَ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ، وَهُوَ مَا نُفِيَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ جَعَلَهُ مِنْ وُجُودِ قَلْبَيْنِ لِرَجُلٍ، وَمَنْ كَوْنَ الزَّوْجَةِ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا أُمًّا لِمَنْ ظَاهَرَ مِنْهَا، وَمِنْ كَوْنِ الْأَدْعِيَاءِ أَبْنَاءً لِلَّذِينَ تَبَنَّوْهُمْ. وَإِذْ قَدْ كَانَتْ تِلْكَ الْمَنْفِيَّاتُ الثَّلَاثَةُ نَاشِئَةً عَنْ أَقْوَالٍ قَالُوهَا صَحَّ الْإِخْبَارُ عَنِ الْأُمُورِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا بِأَنَّهَا أَقْوَالٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا أَقْوَالٌ فَحَسْبُ لَيْسَ لِمَدْلُولَاتِهَا حَقَائِقُ خَارِجِيَّةٌ تُطَابِقُهَا كَمَا تُطَابِقُ النِّسَبُ الْكَلَامِيَّةُ الصَّادِقَةُ النِّسَبَ الْخَارِجِيَّةَ، وَإِلَّا فَلَا جَدْوَى فِي الْإِخْبَارِ عَنْ تِلْكَ الْمَقَالَاتِ بِأَنَّهَا قَوْلٌ بِالْأَفْوَاهِ.
وَالنَّهْيُ فِي الظَّاهِر موجه إِلَى النَّاس وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ مِنْ أَحْوَالِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلَيْسَتِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مِنْ فِعْلِ النَّاسِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمَقْصُودَ النَّهْيُ عَنْ لَازِمِ ذَلِكَ الْإِسْنَادِ وَهُوَ الِاغْتِرَارُ لِمَظَاهِرِ الْحَيَاةِ. وَنَظِيرُهُ كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَقَوْلِهِمْ: لَا أَعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذَا، وَلَا أَرَيَنَّكَ هَاهُنَا، وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ [الْمَائِدَة: ٢]، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ آخِرَ آلِ عِمْرَانَ [١٩٦].
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ.
والغرور بِفَتْحِ الْغَيْنِ: هُوَ الشَّدِيدُ التَّغْرِيرِ. وَالْمُرَادُ بِهِ الشَّيْطَانُ، قَالَ تَعَالَى:
فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ [الْأَعْرَاف: ٢٢]. وَهُوَ يُغَيِّرُ النَّاسَ بِتَزْيِينِ الْقَبَائِحِ لَهُمْ تَمْوِيهًا بِمَا يَلُوحُ عَلَيْهَا مِنْ مَحَاسِنَ تُلَائِمُ نُفُوسَ النَّاسِ.
وَالْبَاء فِي قَول بِاللَّهِ لِلْمُلَابَسَةِ وَهِيَ دَاخِلَةٌ عَلَى مُضَافٍ مُقَدَّرٍ أَيْ، بِشَأْنِ اللَّهِ، أَيْ
يَتَطَرَّقُ إِلَى نَقْضِ هُدَى اللَّهِ فَإِنَّ فِعْلَ غَرَّ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ فَإِذَا أُرِيدَ تَعْدِيَتُهُ إِلَى بَعْضِ مُتَعَلِّقَاتِهِ عُدِّيَ إِلَيْهِ بِوَاسِطَةِ حَرْفِ الْجَرِّ، فَقَدْ يُعَدَّى بِالْبَاءِ وَهِيَ بَاءُ الْمُلَابَسَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
يَا أَيُّهَا الْإِنْسانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦] وَقَوله فِي سُورَة الْحَدِيدِ [١٤] :
وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ وَذَلِكَ إِذَا أُرِيدَ بَيَانُ مَنِ الْغَرُورُ مُلَابِسٌ لَهُ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَاف، أَي بِحَال مِنْ أَحْوَالِهِ. وَتِلْكُ مُلَابَسَةُ الْفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْإِيجَازِ. وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْبَاءُ بَاءَ السَّبَبِيَّةِ.
وَقَدْ تَضَمَّنَتِ الْآيَةُ غُرُورَيْنِ: غُرُورًا يَغْتَرُّهُ الْمَرْءُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ وَيُزَيِّنُ لِنَفْسِهِ مِنَ الْمَظَاهِرِ الْفَاتِنَةِ الَّتِي تَلُوحُ لَهُ فِي هَذِه الدُّنْيَا مَا يَتَوَهَّمُهُ خَيْرًا وَلَا يَنْظُرُ فِي عَوَاقِبِهِ بِحَيْثُ تَخْفَى مضارّه فِي بادىء الرَّأْيِ وَلَا يَظُنُّ أَنَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ.
وَغُرُورًا يَتَلَقَّاهُ مِمَّنْ يَغُرُّهُ وَهُوَ الشَّيْطَانُ، وَكَذَلِكَ الْغُرُورُ كُلُّهُ فِي هَذَا الْعَالَمِ بَعْضُهُ يُمْلِيهِ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ وَبَعْضُهُ يَتَلَقَّاهُ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَتُرِكَ تَفْصِيلُ الْغَرُورِ الْأَوَّلِ الْآنَ اعْتِنَاءً بِالْأَصْلِ وَالْأَهَمِّ، فَإِنَّ كُلَّ غُرُورٍ يَرْجِعُ إِلَى غُرُورِ الشَّيْطَانِ. وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً [فاطر: ١٠].
فَانْفَلَقَ [الشُّعَرَاء: ٦٣]. وَيَكُونُ قَوْلُهُ: رُدُّوها عَلَيَّ مِنْ مَقُولِ: فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ.
[٣٤- ٣٥]
[سُورَة ص (٣٨) : الْآيَات ٣٤ إِلَى ٣٥]
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ (٣٤) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)
قَدْ قُلْتُ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ [ص: ٣٠] أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ مَنَاقِبِ سُلَيْمَانَ لَمْ يَخْلُ مِنْ مَقَاصِدِ ائْتِسَاءٍ وَعِبْرَةٍ وَتَحْذِيرٍ عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ فِي ابْتِدَارِ وَسَائِلِ الْإِرْشَادِ بِالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، فَكَذَلِكَ كَانَتِ الْآيَاتُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِنَدَمِهِ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِالْخَيْلِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ مَوقِعَ أُسْوَةٍ بِهِ فِي مُبَادَرَةِ التَّوْبَةِ وَتَحْذِيرٍ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِ غَفْلَتِهِ، وَكَذَلِكَ جَاءَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ مُشِيرَةً إِلَى فِتْنَةٍ عَرَضَتْ لِسُلَيْمَانَ أَعْقَبَتْهَا إِنَابَةٌ ثُمَّ أَعْقَبَتْهَا إِفَاضَةُ نِعَمٍ عَظِيمَةٍ فَذُكِرَتْ عَقِبَ ذِكْرِ قِصَّةِ مَا نَالَهُ مِنَ السَّهْوِ عَنْ عِبَادَتِهِ وَهُوَ دُونَ الْفِتْنَةِ. وَالْفَتْنُ وَالْفُتُونُ وَالْفِتْنَةُ: اضْطِرَابُ الْحَالِ الشَّدِيدِ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ مِقْدَارُ صَبْرِ وَثَبَاتِ مَنْ يَحِلُّ بِهِ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٠٢].
وَقَدْ أَشَارَتِ الْآيَةُ إِلَى حَدَثٍ عَظِيمٍ حَلَّ بِسُلَيْمَانَ، وَاخْتَلَفَتْ أَقْوَالُ الْمُفَسِّرِينَ فِي تَعْيِينِ هَذِهِ الْفِتْنَةِ فَذَكَرُوا قَصَصًا هِيَ بِالْخُرَافَاتِ أَشْبَهُ، وَمَقَامُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَمْثَالِهَا أَنْزَهُ. وَمِنْ أَغْرَبِهَا قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ وُلِدَ لَهُ ابْنٌ فَخَافَ عَلَيْهِ النَّاسَ أَنْ يَقْتُلُوهُ فَاسْتَوْدَعَهُ الرِّيحَ لِتَحْضُنَهُ وَتُرْضِعَهُ دَرَّ مَاءِ الْمُزْنِ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ أَصَابَهُ الْمَوْتُ وَأَلْقَتْهُ الرِّيحُ عَلَى كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ لَا مَرَدَّ لِمَحْتُومِ الْمَوْتِ. وَهَذَا مَا نَظَمَهُ الْمَعَرِّيُّ تَبَعًا لِأَوْهَامِ النَّاسِ فَقَالَ حِكَايَةً عَنْ سُلَيْمَانَ:
خَافَ غَدْرَ الْأَنَامِ فَاسْتَوْدَعَ الرِّي حَ سَلِيلًا تَغْذُوهُ دَرَّ الْعِهَادِ

بِدِيَارِهِمْ جُثَثًا صَرْعَى قَدْ
تَقَلَّصَتْ جُلُودُهُمْ وَبَلِيَتْ أَجْسَامُهُمْ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٌ.
وَالرِّيحُ: تَمَوُّجٌ فِي الْهَوَاءِ يَحْدُثُ مِنْ تَعَاكُسِ الْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ، وَتَنْتَقِلُ مَوْجَاتُهُ كَمَا تَنْتَقِلُ أَمْوَاجُ الْبَحْرِ وَالرِّيحُ الَّذِي أَصَابَ عَادًا هُوَ الرِّيحُ الدَّبُورُ، وَهُوَ الَّذِي يَهُبُّ مِنْ جِهَةِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ، سُمِّيَتْ دَبُورًا بِفَتْحِ الدَّالِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ لِأَنَّهَا تَهُبُّ مِنْ جِهَةِ دُبُرِ الْكَعْبَةِ
قَالَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ»
. وَإِنَّمَا كَانَتِ الرِّيحُ الَّتِي أَصَابَتْ عَادًا بِهَذِهِ الْقُوَّةِ بِسَبَبِ قُوَّةِ انْضِغَاطٍ فِي الْهَوَاءِ غَيْرِ مُعْتَادٍ فَإِنَّ الِانْضِغَاطَ يُصَيِّرُ الشَّيْءَ الضَّعِيفَ قَوِيًّا، كَمَا شُوهِدَ فِي عَصْرِنَا أَنَّ الْأَجْسَامَ الدَّقِيقَةَ مِنْ أَجْزَاءٍ كِيمْيَاوِيَّةٍ تُسَمَّى الذَّرَّةَ تَصِيرُ بِالِانْضِغَاطِ قَادِرَةً عَلَى نَسْفِ مَدِينَةٍ كَامِلَةٍ، وَتُسَمَّى الطَّاقَةَ الذَّرِّيَّةَ، وَقَدْ نُسِفَ بِهَا جُزْءٌ عَظِيمٌ مِنْ بِلَادِ الْيَابَانِ فِي الْحَرْبِ الْعَامَّةِ.
وَالصَّرْصَرُ: الرِّيحُ الْعَاصِفَةُ الَّتِي يَكُونُ لَهَا صَرْصَرَةٌ، أَيْ دَوِيٌّ فِي هُبُوبِهَا مِنْ شِدَّةِ سُرْعَةِ تَنَقُّلِهَا. وَتَضْعِيفُ عَيْنِهِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي شِدَّتِهَا بَيْنَ أَفْرَادِ نَوْعِهَا كَتَضْعِيفِ كُبْكِبَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي كَبَّ. وَأَصْلُهُ صَرَّ، أَيْ صَاحَ، وَهُوَ وَصْفٌ لَا يُؤَنَّثُ لَفْظُهُ لِأَنَّهُ لَا يَجْرِي إِلَّا عَلَى الرِّيحِ وَهِيَ مُقَدَّرَةُ التَّأْنِيثِ.
وَالنَّحِسَاتُ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْحَاءِ: جَمْعُ نَحِسٍ بِدُونِ تَأْنِيثٍ لِأَنَّهُ مصدر أَو اسْم مَصْدَرٌ لِفِعْلِ نَحِسَ كَعَلِمَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ [الْقَمَر: ١٩].
وَقَرَأَهُ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ بِسِكُونِ الْحَاءِ. وَيَجُوزُ كَسْرُ الْحَاءِ وَبِهِ قَرَأَ الْبَقِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِنْ (نَحْسٍ) إِذَا أَصَابَهُ النَّحْسُ إِصَابَةَ سُوءٍ أَوْ ضُرٍّ شَدِيدٍ. وَضِدُّهُ الْبَخْتُ فِي أَوْهَامِ الْعَامَّةِ، وَلَا حَقِيقَةَ لِلنَّحْسِ وَلَا لِلْبَخْتِ وَلَكِنَّهُمَا عَارِضَانِ لِلْإِنْسَانِ، فَالنَّحْسُ يَعْرِضُ لَهُ مِنْ سُوءِ خُلُقِهِ مزاجه أَوْ مِنْ تَفْرِيطِهِ أَوْ مِنْ فَسَادِ بِيئَتِهِ أَوْ قَوْمِهِ، وَالْبَخْتُ يَعْرِضُ مِنْ جَرَّاءِ عَكْسِ ذَلِكَ. وَبَعْضُ النَّوْعَيْنِ أُمُورٌ اتِّفَاقِيَّةٌ وَرُبَّمَا كَانَ بَعْضُهَا جَزَاءً مِنَ اللَّهِ عَلَى عَمَلِ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ مِنْ عِبَادِهِ أَوْ فِي دِينِهِ
الْقَصْرِ كَانَ اجْتِلَابُ ضَمِيرِ الْفَصْلِ تَأْكِيدًا لِلْقَصْرِ بِإِعَادَةِ صِيغَةٍ أُخْرَى مِنْ صِيَغِ الْقَصْرِ. وَجُمْهُورُ الْعَرَبِ يَجْعَلُونَ ضَمِيرَ الْفَصْلِ فِي الْكَلَامِ غَيْرَ وَاقِعٍ فِي مَوْقِعِ إِعْرَابٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحَرْفِ، وَهُوَ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحَاةِ حَرْفٌ لَا مَحَلَّ لَهُ مِنِ الْإِعْرَابِ وَيُسَمِّيهِ نُحَاةُ الْبَصْرَةِ فَصْلًا، وَيُسَمِّيهِ نُحَاةُ الْكُوفَةِ عِمَادًا.
وَاتَّفَقَ الْقُرَّاءُ عَلَى نَصْبِ الظَّالِمِينَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كانُوا وَبَنُو تَمِيمٍ يَجْعَلُونَهُ ضَمِيرًا طَالِبًا مُعَادًا وَصَدْرًا لِجُمْلَتِهِ مُبْتَدَأً وَيَجْعَلُونَ جُمْلَتَهُ فِي مَحَلِّ الْإِعْرَابِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَا قَبْلَهُ، وَعَلَى ذَلِكَ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو زَيْدٍ النَّحْوِيُّ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ عَلَى أَنَّ هُمْ مُبْتَدَأٌ وَالْجُمْلَةُ مِنْهُ وَمِنْ خَبَرِهِ خَبَرُ كانُوا. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ أَنَّ رُؤْبَةَ بْنَ الْعَجَّاجِ كَانَ يَقُولُ: أَظُنُّ زَيْدًا هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، بِرَفْع خير.
[٧٧، ٧٨]
[سُورَة الزخرف (٤٣) : الْآيَات ٧٧ إِلَى ٧٨]
وَنادَوْا يَا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٨)
جُمْلَةُ وَنادَوْا حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ [الزخرف: ٧٥]، أَوْ عَطْفٌ عَلَى
جُمْلَةِ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ. وَحُكِيَ نِدَاؤُهُمْ بِصِيغَةِ الْمَاضِي مَعَ أَنَّهُ مِمَّا سَيَقَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِمَّا لِأَنَّ إِبْلَاسَهُمْ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ وَهُوَ الْيَأْسُ يَكُونُ بَعْدَ أَنْ نَادَوْا يَا مَالِكُ وَأَجَابَهُمْ بِمَا أَجَابَ بِهِ، وَذَلِكَ إِذَا جَعَلْتَ جُمْلَةَ وَنادَوْا حَالِيَّةً، وَإِمَّا لِتَنْزِيلِ الْفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ مَنْزِلَةَ الْمَاضِي فِي تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ تَخْرِيجًا لِلْكَلَامِ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ [النَّمْل: ٨٧] فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [الزمر:
٦٨] وَهَذَا إِنْ كَانَتْ جُمْلَةُ وَنادَوْا إِلَخْ مَعْطُوفَةً.
وَ (مَالِكُ) الْمُنَادَى اسْمُ الْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِجَهَنَّمَ خَاطَبُوهُ لِيَرْفَعَ دَعْوَتَهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى شَفَاعَةً.
وَيُؤَيِّدُ هَذَا
قَول النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ»
كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا. فَيَكُونُ تَنْوِينُ (ذَكَرٍ وَأُنْثَى) لِأَنَّهُمَا وَصْفَانِ لِمَوْصُوفٍ فَقَرَّرَ، أَيْ مِنْ أَبٍ ذَكَرٍ وَمِنْ أُمٍّ أُنْثَى.
وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِ ذَكَرٍ وَأُنْثى صِنْفُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مُكَوَّنٌ مِنْ صِنْفِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى.
وَحَرْفُ (مِنْ) عَلَى كِلَا الِاحْتِمَالَيْنِ لِلِابْتِدَاءِ.
وَالشُّعُوبُ: جَمْعُ شَعْبٍ بِفَتْحِ الشِّينِ وَهُوَ مَجْمَعُ الْقَبَائِلِ الَّتِي تَرْجِعُ إِلَى جَدٍّ وَاحِدٍ مِنْ أُمَّةٍ مَخْصُوصَةٍ وَقَدْ يُسَمَّى جَذْمًا، فَالْأُمَّةُ الْعَرَبِيَّةُ تَنْقَسِمُ إِلَى شُعُوبٍ كَثِيرَةٍ فَمُضَرُ شَعْبٌ، وَرَبِيعَةُ شَعْبٌ، وَأَنْمَارٌ شَعْبٌ، وَإِيَادٌ شَعْبٌ، وَتَجْمَعُهَا الْأُمَّةُ الْعَرَبِيَّةُ الْمُسْتَعْرِبَةُ، وَهِيَ عَدْنَانُ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَحِمْيَرُ وَسَبَأٌ، وَالْأَزْدُ شُعُوبٌ مِنْ أُمَّةِ قَحْطَانَ. وَكِنَانَةُ وَقَيْسٌ وَتَمِيمٌ قَبَائِلُ مِنْ شَعْبِ مُضَرَ. وَمَذْحِجٌ، وَكِنْدَةُ قَبِيلَتَانِ مِنْ شَعْبِ سَبَأٍ. وَالْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ قَبِيلَتَانِ مِنْ شَعْبِ الْأَزْدِ.
وَتَحْتَ الْقَبِيلَةِ الْعِمَارَةُ مِثْلُ قُرَيْشٍ مِنْ كِنَانَةَ، وَتَحْتَ الْعِمَارَةِ الْبَطْنُ مِثْلُ قُصَيٍّ مِنْ قُرَيْشٍ، وَتَحْتَ الْبَطْنِ الْفَخِذُ مِثْلَ هَاشِمٍ وَأُمَيَّةَ مِنْ قُصَيٍّ، وَتَحْتَ الْفَخِذِ الْفَصِيلَةُ مِثْلُ أَبِي طَالِبٍ وَالْعَبَّاسِ وَأَبِي سُفْيَانَ.
وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الشُّعُوبِ وَالْقَبَائِلِ لِأَنَّ مَا تَحْتَهَا دَاخِلٌ بِطْرِيقِ لَحْنِ الْخِطَابِ.
وَتَجَاوَزَ الْقُرْآنُ عَنْ ذِكْرِ الْأُمَمِ جَرْيًا عَلَى الْمُتَدَاوَلِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فِي تَقْسِيمِ طَبَقَاتِ الْأَنْسَابِ إِذْ لَا يُدْرِكُونَ إِلَّا أَنْسَابَهُمْ.
وَجُعِلَتْ عِلَّةُ جَعْلِ اللَّهِ إِيَّاهُ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ. وَحِكْمَتُهُ مِنْ هَذَا الْجَعْلِ أَنْ يَتَعَارَفَ النَّاسُ، أَيْ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
وَالتَّعَارُفُ يَحْصُلُ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ مُتَدَرِّجًا إِلَى الْأَعْلَى، فَالْعَائِلَةُ الْوَاحِدَةُ مُتَعَارِفُونَ، وَالْعَشِيرَةُ مُتَعَارِفُونَ مِنْ عَائِلَاتٍ إِذْ لَا يَخْلُونَ عَنِ انْتِسَابٍ وَمُصَاهَرَةٍ، وَهَكَذَا تَتَعَارَفُ الْعَشَائِرُ مَعَ الْبُطُونِ وَالْبُطُونُ مَعَ الْعَمَائِرِ، وَالْعَمَائِرُ مَعَ الْقَبَائِلِ، وَالْقَبَائِلُ مَعَ الشُّعُوبِ لِأَنَّ كُلَّ دَرَجَةٍ تَأْتَلِفُ مِنْ مَجْمُوعِ الدَّرَجَاتِ الَّتِي دُونَهَا.
وَالْمَعْنَى: إِنْ قَدَرْتُمْ عَلَى الْاِنْفِلَاتِ مِنْ هَذَا الْمَوْقِفِ فَافْلِتُوا. وَهَذَا مُؤْذِنٌ بِالتَّعْرِيضِ بِالتَّخْوِيفِ مِمَّا سَيَظْهَرُ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ مِنَ الْعِقَابِ لِأَهْلِ التَّضْلِيلِ.
وَالْأَقْطَارُ: جَمْعُ قُطْرٍ بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الطَّاءِ وَهُوَ النَّاحِيَةُ الْوَاسِعَةُ مِنَ الْمَكَانِ الْأَوْسَعِ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ [١٤].
وَذَكَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لِتَحْقِيقِ إِحَاطَةِ الْجِهَاتِ كُلِّهَا تَحْقِيقًا لِلتَّعْجِيزِ، أَيْ فَهَذِهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أَمَامَكُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ فَاخْرُجُوا مِنْ جِهَةٍ مِنْهَا فِرَارًا مِنْ مَوْقِفِكُمْ هَذَا، وَذَلِكَ أَنَّ تَعَدُّدَ الْأَمْكِنَةِ يُسَهِّلُ الْهُرُوبَ مِنْ إِحْدَى جِهَاتِهَا.
وَالْأَرْضُ الْمَذْكُورَةُ هُنَا إِمَّا أَنْ تَكُونَ الْأَرْضَ الَّتِي فِي الدُّنْيَا وَذَلِكَ حِينَ الْبَعْثِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ أَرْضَ الْحَشْرِ وَهِيَ الَّتِي سَمَّاهَا الْقُرْآن بِالسَّاهِرَةِ فِي سُورَةِ النَّازِعَاتِ [١٤]، وَقَالَ تَعَالَى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ [إِبْرَاهِيم: ٤٨]، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَارِيًا مَجْرَى الْمَثَلِ الْمُسْتَعْمَلِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي إِحَاطَةِ الْجِهَاتِ كَقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ:
«أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي، وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي».
وَهَذِهِ الْمَعَانِي لَا تَتَنَافَى، وَهِيَ مِنْ حَدِّ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ.
وَجُمْلَةُ لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ بَيَانٌ لِلتَّعْجِيزِ الَّذِي فِي الْجُمْلَةِ قَبْلَهُ فَإِنَّ السُّلْطَانَ:
الْقُدْرَةُ، أَيْ لَا تَنْفُذُونَ مِنْ هَذَا الْمَأْزِقِ إِلَّا بِقُدْرَةٍ عَظِيمَةٍ تَفُوقُ قُدْرَةَ اللَّهِ الَّذِي حَشَرَكُمْ لِهَذَا الْمَوْقِفِ، وَأَنَّى لَكُمْ هَاتِهِ الْقُوَّةُ.
وَهَذَا عَلَى طَرِيقِ قَوْلِهِ: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ [الشُّعَرَاء: ٢١٠، ٢١١]، أَيْ مَا صَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ فيتنزّلوا بِهِ.
[٣٤]
[سُورَة الرَّحْمَن (٥٥) : آيَة ٣٤]
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٤)
الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي نَظِيرِهِ الْمَذْكُور قبله.
أَغْرَاضُهَا
وَاشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى التَّذْكِيرِ بِأَنَّ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ يُسَبِّحُونَ لِلَّهِ، أَيْ يُنَزِّهُونَهُ عَنِ النَّقَائِصِ تَسْبِيحًا مُتَجَدِّدًا.
وَأَنَّ الْمُلْكَ لِلَّهِ وَحْدَهُ فَهُوَ الْحَقِيقُ بِإِفْرَادِهِ بِالْحَمْدِ لِأَنَّهُ خَالِقُ النَّاسِ كُلِّهِمْ فَآمَنَ
بِوَحْدَانِيَّتِهِ نَاسٌ وَكَفَرَ نَاسٌ وَلَمْ يَشْكُرُوا نِعَمَهُ إِذْ خَلَقَهُمْ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ وَتَحْذِيرِهِمْ مِنْ إِنْكَارِ رِسَالَة مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَإِنْذَارِهِمْ عَلَى ذَلِكَ لِيَعْتَبِرُوا بِمَا حَلَّ بِالْأُمَمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ وَجَحَدُوا بِيِّنَاتِهِمْ تَكَبُّرًا أَنْ يَهْتَدُوا بِإِرْشَادِ بَشَرٍ مِثْلِهِمْ.
وَالْإِعْلَامِ بِأَنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالظَّاهِرِ وَالْخَفِيِّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَلَا يَجْرِي أَمْرٌ فِي الْعَالَمِ إِلَّا عَلَى مَا اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ.
وَأَنْحَى عَلَيْهِمْ إِنْكَارَ الْبَعْثِ وَبَيَّنَ لَهُمْ عَدَمَ اسْتِحَالَتِهِ وَهَدَّدَهُمْ بِأَنَّهُمْ يَلْقَوْنَ حِينَ يُبْعَثُونَ جَزَاءَ أَعْمَالِهِمْ فَإِنْ أَرَادُوا النَّجَاةَ فَلْيُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ وليصدقوا رَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ وَيُؤْمِنُوا بِالْبَعْثِ فَإِنَّهُمْ إِنْ آمَنُوا كُفِّرَتْ عَنْهُمْ سَيِّئَاتُهُمْ وَإِلَّا فَجَزَاؤُهُمُ النَّارُ خَالِدِينَ فِيهَا.
ثُمَّ تَثْبِيتِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا يُلَاقُونَهُ مِنْ ضُرِّ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِمْ فَلْيَتَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ فِي أُمُورِهِمْ.
وَتَحْذِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَعْضِ قَرَابَتِهِمُ الَّذِينَ تَغَلْغَلَ الْإِشْرَاكُ فِي نُفُوسِهِمْ تَحْذِيرًا مِنْ أَنْ يُثَبِّطُوهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْهِجْرَةِ.
وَعَرَّضَ لَهُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى أَمْوَالِهِمُ الَّتِي صَادَرَهَا الْمُشْرِكُونَ.
وَأَمَرَهُمْ بِإِنْفَاقِ الْمَالِ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ الَّتِي يُرْضُونَ بِهَا رَبَّهُمْ وَبِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ لَهُ وَالطَّاعَة.
[١]
[سُورَة التغابن (٦٤) : آيَة ١]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ فَقَامَ النَّبِيءُ وَأَصْحَابُهُ»
، عَلَى أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي رَفْعِ فَرْضِ الْقِيَامِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ. وَتَقَرَّرَ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ فِيهِ.
وَاخْتُلِفَ فِي اسْتِمْرَارِ وُجُوبِهِ عَلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا طَائِلَ وَرَاءَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ عَدَمِهِ.
وَقَوْلُهُ: إِلَّا قَلِيلًا اسْتِثْنَاءٌ مِنَ اللَّيْلَ أَيْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ إِيجَابُ الْقِيَامِ عَلَيْهِ بِأَوْقَاتِ اللَّيْلِ كُلِّهَا.
ونِصْفَهُ بَدَلٌ مِنْ قَلِيلًا بَدَلًا مُطَابِقًا وَهُوَ تَبْيِينٌ لِإِجْمَالِ قَلِيلًا فَجَعَلَ الْقَلِيلَ هُنَا النِّصْفَ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ بِقَلِيلٍ.
وَفَائِدَةُ هَذَا الْإِجْمَالِ الْإِيمَاءُ إِلَى أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْقِيَامُ أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ نِصْفِ اللَّيْلِ وَأَنَّ جَعْلَهُ نِصْفَ اللَّيْلِ رَحْمَةٌ وَرُخْصَةٌ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ: أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَيْ انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ قَلِيلًا، فَيَكُونُ زَمَنُ قِيَامِ اللَّيْلِ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِهِ، وَهُوَ حِينَئِذٍ قَلِيلٌ فَهُوَ رُخْصَةٌ فِي الرُّخْصَةِ.
وَقَالَ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَهُوَ عَوْدٌ إِلَى التَّرْغِيبِ فِي أَنْ تَكُونَ مُدَّةُ الْقِيَامِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ وَلِذَلِكَ لَمْ يُقيد أَوْ زِدْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا قَيَّدَ بِهِ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ لِتَكُونَ الزِّيَادَةُ عَلَى النِّصْفِ مُتَّسِعَةً، وَقَدْ
وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِالْعَزِيمَةِ فَقَامَ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ وَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ: «إِنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ» فَقَالَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا»
. وَالتَّخْيِيرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ حَرْفِ أَوِ مَنْظُورٌ فِيهِ إِلَى تَفَاوُتِ اللَّيَالِي بِالطُّولِ وَالْقِصَرِ لِأَنَّ لِذَلِكَ ارْتِبَاطًا بِسَعَةِ النَّهَارِ لِلْعَمَلِ وَلِأَخْذِ الْحَظِّ الْفَائِتِ مِنَ النَّوْمِ.
وَبَعْدُ فَذَلِكَ تَوْسِيعٌ عَلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَفْعِ حَرَجِ تَحْدِيدِهِ لِزَمَنِ الْقِيَامِ فَسُلِكَ بِهِ مَسْلَكَ التَّقْرِيبِ.
وَجَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ اللَّيْلَ اسْمَ جِنْسٍ يَصْدُقُ عَلَى جَمِيعِ اللَّيَالِي، وَأَنَّ الْمَعْنَى: إِلَّا قَلِيلًا مِنَ اللَّيَالِي، وَهِيَ اللَّيَالِي الَّتِي يَكُونُ فِيهَا عُذْرٌ يَمْنَعُهُ مِنْ قِيَامِهَا، أَيْ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ اللَّيَالِي بِاعْتِبَارِ جُزْئِيَّاتِهَا لَا بِاعْتِبَارِ الْأَجْزَاءِ، ثُمَّ قَالَ: نِصْفَهُ إِلَى آخِرِهِ.
وَتَخْصِيصُ اللَّيْلِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ لِأَنَّهُ وَقْتُ النَّوْمِ عَادَةً فَأَمْرُ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِيَامِ فِيهِ زِيَادَةٌ فِي إِشْغَالِ أَوْقَاتِهِ بِالْإِقْبَالِ عَلَى مُنَاجَاةِ اللَّهِ: وَلِأَنَّ اللَّيْلَ وَقْتُ سُكُونِ
وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ فِي سُورَةِ الشُّورَى [١٧]، وَعِنْدَ قَوْلِهِ: وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ [الْحَاقَّةُ: ٣] وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ: مَا يُدْرِيكَ، وَمَا أَدْرَاكَ.
وَقَوْلُهُ: النَّجْمُ خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هُوَ، أَيِ الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ.
وَالثَّقْبُ: خَرْقُ شَيْءٍ مُلْتَئِمٍ، وَهُوَ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِظُهُورِ النُّورِ فِي خِلَالِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. شَبَّهَ النَّجْمَ بِمِسْمَارٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَظُهُورَ ضَوْئِهِ بِظُهُورِ مَا يَبْدُو مِنَ الْمِسْمَارِ مِنْ خِلَالِ الْجِسْمِ الَّذِي يَثْقُبُهُ مِثْلَ لَوْحٍ أَوْ ثَوْبٍ.
وَأَحْسَبُ أَنَّ اسْتِعَارَةَ الثَّقْبِ لِبُرُوزِ شُعَاعِ النَّجْمِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ مِنْ مُبْتَكَرَاتِ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَرِدْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ قَبْلَ الْقُرْآنِ. وَقَدْ سَبَقَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ [١٠]، وَوَقَعَ فِي «تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ» : وَالْعَرَبُ تَقُولُ اثْقُبْ نَارَكَ، أَيْ أَضِئْهَا، وَسَاقَ بَيْتًا شَاهِدًا عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَعْزُهُ إِلَى قَائِلٍ.
وَالتَّعْرِيفُ فِي النَّجْمُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ الْجِنْسِ كَقَوْلِ النَّابِغَةِ:
أَقُولُ وَالنَّجْمُ قَدْ مَالَتْ أَوَاخِرُهُ... الْبَيْتَ فَيَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ النُّجُومِ اسْتِغْرَاقًا حَقِيقِيًّا وَكُلُّهَا ثَاقِبٌ فَكَأَنَّهُ قِيلَ، وَالنُّجُومُ، إِلَّا أَنَّ صِيغَةَ الْإِفْرَادِ فِي قَوْلِهِ: الثَّاقِبُ ظَاهِرٌ فِي إِرَادَةِ فَرْدٍ مُعَيَّنٍ مِنَ النُّجُومِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ إِشَارَةً إِلَى نَجْمٍ مَعْرُوفٍ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ النَّجْمِ غَالِبًا، أَيْ وَالنَّجْمُ الَّذِي هُوَ طَارِقٌ.
وَيُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ نَجْمًا يَطْلُعُ فِي أَوَائِلِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَهِيَ الْوَقْتُ الْمَعْهُودُ لِطُرُوقِ الطَّارِقِينَ مِنَ السَّائِرِينَ. وَلَعَلَّ الطَّارِقَ هُوَ النَّجْمُ الَّذِي يُسَمَّى الشَّاهِدُ، وَهُوَ نَجْمٌ يَظْهَرُ عَقِبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَبِهِ سُمِّيَتْ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ «صَلَاةَ الشَّاهِدِ».
رَوَى النَّسَائِيُّ: «أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ» (أَيْ الْعَصْرِ) فُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا» إِلَى قَوْلِهِ: «وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ»
. وَقِيلَ: أُرِيدَ بِ الطَّارِقِ نَوْعُ الشُّهُبِ، رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّ النَّجْمَ الطَّارِقَ هُوَ كَوْكَبُ زُحَلَ (لِأَنَّهُ مُبْرَزٌ عَلَى الْكَوَاكِبِ بِقُوَّةِ شُعَاعِهِ). وَعَنْهُ: أَنَّهُ الثُّرَيَّا


الصفحة التالية
الموسوعة القرآنية Quranpedia.net - © 2024
Icon
وَتَوَخَّى النَّجَاةَ وَقَدْ أَيْ قَنَ أَنَّ الْحِمَامَ بِالْمِرَصَادِ