العدة، وقيل: هو النشوز قبل الطلاق، فإذا طلّقها بسبب نشوزها فلا سكنى على زوجها قاله قتادة.
﴿وتلك حدودُ الله﴾ أي: تلك الأحكام المذكورة هي حدود الله التي عيّنها لعباده، ﴿ومَن يَتَعَدَّ حدودَ الله﴾ المذكورة، بأن يُخلّ بشيء منها، على أنَّ الإظهار في محل الإضمار لتهويل أمر التعدي، والإشعار بعلة الحكم، ﴿فقد ظَلَمَ نفسه﴾ ؛ أضرَّ بها، إذ لعله يندم. والتفسير بتعريضها للعذاب يأباه قوله: ﴿لا تدرى لعل اللهَ يُحدِثُ بعد ذلك أمراً﴾ فإنه استئناف مسوق لتعليل مضمون الشرطية، وقد قالوا: إنَّ الأمر الذي يُحدثه اللهُ تعالى: هو أن ينقلب قلبه بُغضها إلى محبتها، أو: من الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ويندم، فلا بد أن يكون الظُلم عبارة عن ضرر دنيوي يلحقه بسبب تعدِّيه، وهو الندم إن كان طلَّق ثلاثاً، فيمنع من الرجعة، أو: الحياء، إن كان إخراجها من المسكن بلا سبب، أو: فقد ظَلَمَ نفسَه بتعريضها للعذاب الشامل؛ الدنيوي والأخروي، حيث خالف ما أمره سيده. ﴿لاتدري﴾ أيها المخاطب ﴿لعل اللهُ يُحِدثُ بعد ذلك أمراً﴾ وهو الرجعة، والمعنى: أحصوا العِدَّة وامتثلوا ما أُمرتم به، لعل الله يُحدث الرجعة لنسائكم.
﴿
فإذا بَلَغْنَ أجلَهن﴾
أي: قاربن آخر العِدَّة ﴿فأمْسِكُوهنَّ﴾ ؛ راجعوهن ﴿بمعروفٍ﴾ بحُسن معاشرة وإنفاقٍ لائق، ﴿أو فارِقوهنَّ بمعروفٍ﴾ بإعطاء الصداق والإمتاع حين الطلاق، والوفاء بالشروط. والمعنى: فأنتم بالخيار؛ إن شئتم فالرجعة والإمساك بالمعروف، وإن شئتم فترك الرجعة والمفارقة واتّقاء الضرر، وهو أن يُراجعها في آخر عدتها ثم يُطلٍّقها، تطويلاً لعِدتها وتعذيباً لها، ﴿وأَشْهِدوا﴾ عند الرجعة والمفارقة ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ منكم﴾ من المسلمين، وهذا الإشهاد مندوب على المشهور لئلا يقع بينهما التجاحد. وفي قوله: ﴿ذوي عدل﴾ دلالة على أنهم ذكور، فلا تجوز شهادة النساء في النكاح ولا في الطلاق عند الجمهور. ﴿وأقيموا الشهادةَ للهِ﴾ أيها الشهود عند الحاجة إليها، خالصاً لوجهه تعالى. ﴿ذلكم﴾ إشارة إلى الحث على الإشهاد في الرجعة، أو: إلى جميع ما ذكر، ﴿يُوعظ به مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ إِذ هو المنتفِع به، والمقصود بتذكيره.
الإشارة: إذا طلقتم الدنيا وحظوظَ نفوسكم؛ فليكن ذلك إلى أجل معلوم، وهو الرسوخ والتمكين بعد الوصول، وأَحْصُوا العدّة: اضبطوا أيام سيركم لئلا تضيع في البطالة أو الفضول، واتقوا ما سوى ربكم أن تلتفتوا إليه، لا تُخرجوا نفوسكم من أشباحها بشِدة مجاهدتها، فإنها مَغرفة السر، ومطيّة السير، نَبَرُّ بها فيما تقوم بها من مآكل وملبس ونُخالف هواها، ولا يَخرجن، إي: ولا تتركوها أن تخرج من عش التربية قبل الترشيد، إلاّ أن تطغى وتفحش، فبالِغ في مجاهدتها بما يقارب موتها، وتلك حدود الله التي حَدّها للسائر، ومَن يتعدَّ شيئاً منها فقد ظلم نفسه، إمّا بتفريط أو إفراط، فصاحب التفريط لا يصل، وصاحب الإفراط لا يدوم، لا تدري أيها السائر لعل اللهَ يُحدث بعد ذلك انقياداً


الصفحة التالية
Icon