وعمل عليه كتاباً في المعاني، ثم عمل الفرّاء كتابه في المعاني عليهما، كما يقوله الأخفش (١). وقد خلا كتاب الأخفش المطبوع من مقدمة، كمقدمة أبي عبيدة.
أمّا كتاب "معاني القرآن" للفرّاء يحيى بن زياد (ت ٢٠٧) فهو أمالٍ أملاها في مجالس في السنوات الثانية، والثالثة والرابعة بعد المائتين، وقد أفاد فيه من أعمالٍ سبقته، كما تقدّم، وعُنِي بما عُنوا به، وزاد عليهم عنايةً خاصّةً بالظاهرة النحوية، والرسم، والقراءة، ونثر في كتابه كثيراً من مصطلحات الكوفيين وآرائهم.
ويتّفق الثلاثةُ على أنّ الغرض من تأليفهم هو دفع الشبه عن القرآن، وما يرمي به الملاحدة والزنادقة القرآن من خللٍ واضطراب، وتناقض، وقد جعلوا عُدَّتهم وسلاحهم لردِّ تلك الشُّبه لغة العرب، وأساليبهم البيانية، وطرائقهم الكلامية، وتقرير أنّ القرآن لم يخرج عن طرائق العرب ورسومهم، ولا عن معهودهم وسَنَنِهم في الحديث والخطاب.
وقد استوفى المفسِّرون فيما بعدُ خلاصة ما في هذه الكتب الثلاثة وغيرها، فلو نظرنا مثلاً في تفسير الطبريّ لاستطعنا ردّ ما فيه ممّا يرجِع إلى المعاني، وتفسير الألفاظ، والكلام عن سَنن العرب في كلامها إلى كتب ثلاثة أو أكثر، وإن لم يصرّح بها، وهي " المجاز "، و" معاني القرآن " للفرّاء، و" غريب القرآن " وصنوه " تأويل مشكل القرآن " لابن قتيبة.
ثمّ إنّ المصنّفين في "معاني القرآن" كأنّهم شغلوا بأصل اللغات، وإن لم

(١) الزُّبيدي، أبو بكر محمد بن الحسن (ت ٣٧٩ هـ) طبقات النحويين واللُّغويين، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة ص ٧٠.


الصفحة التالية
Icon