﴿١٦-١٨﴾ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.
يخبر تعالى، أنه المتفرد بخلق (١) جنس الإنسان، ذكورهم وإناثهم، وأنه يعلم أحواله، وما يسره، ويوسوس في صدره (٢) وأنه أقرب إليه من حبل الوريد، الذي هو أقرب شيء إلى الإنسان، وهو العرق (٣) المكتنف لثغرة النحر، وهذا مما يدعو الإنسان إلى مراقبة خالقه، المطلع على ضميره وباطنه، القريب منه (٤) في جميع أحواله، فيستحي منه أن يراه، حيث نهاه، أو يفقده، حيث أمره، وكذلك ينبغي له أن يجعل الملائكة الكرام الكاتبين منه على بال، فيجلهم ويوقرهم، ويحذر أن يفعل أو يقول ما يكتب عنه، مما لا يرضي رب العالمين، ولهذا قال: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ أي: يتلقيان عن العبد أعماله كلها، واحد ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ يكتب الحسنات ﴿و﴾ الآخر ﴿عن الشِّمَالِ﴾ يكتب السيئات، وكل منهما ﴿قَعِيدٌ﴾ بذلك متهيئ لعمله الذي أعد له، ملازم له (٥).
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ خير أو شر ﴿إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أي: مراقب له، حاضر لحاله، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾

(١) كذا في ب، وفي أ: أنه الذي خلق.
(٢) في ب: وتوسوس به نفسه.
(٣) في ب: العظم.
(٤) في ب: إليه.
(٥) في ب: لذلك.

﴿١٩-٢٢﴾ ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾.
أي ﴿وَجَاءَتْ﴾ هذا الغافل المكذب بآيات الله ﴿سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ الذي لا مرد له ولا مناص، ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أي: تتأخر وتنكص (١) عنه.
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ أي: اليوم الذي يلحق الظالمين ما أوعدهم الله به من العقاب، والمؤمنين ما وعدهم به من الثواب.
﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ﴾ يسوقها إلى موقف القيامة، فلا يمكنها أن تتأخر عنه، ﴿وَشَهِيدٌ﴾ يشهد عليها بأعمالها، خيرها وشرها، وهذا يدل على اعتناء الله بالعباد، وحفظه لأعمالهم، ومجازاته لهم بالعدل، فهذا الأمر، مما يجب أن يجعله العبد منه على بال، ولكن أكثر الناس غافلون، ولهذا قال: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ أي: يقال للمعرض المكذب يوم القيامة هذا الكلام، توبيخًا، ولومًا وتعنيفًا أي: لقد كنت مكذبًا بهذا، تاركًا للعمل له فالآن ﴿كشفنا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ الذي غطى قلبك، فكثر نومك، واستمر (٢) إعراضك، ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ ينظر ما يزعجه ويروعه، من أنواع العذاب والنكال.
أو هذا خطاب من الله للعبد، فإنه في الدنيا، في غفلة (٣) عما خلق له، ولكنه يوم القيامة، ينتبه ويزول عنه وسنه، ولكنه في وقت لا يمكنه أن يتدارك الفارط، ولا يستدرك الفائت، وهذا كله تخويف من الله للعباد، وترهيب، بذكر ما يكون على المكذبين، في ذلك اليوم العظيم.
(١) كذا في ب، وفي أ: تحيد.
(٢) كذا في ب، وفي أ: ودام.
(٣) كذا في ب، وفي أ: أنه في غفلة في الدنيا.

﴿٢٣-٢٩﴾ ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
يقول تعالى: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ أي: قرين هذا المكذب -[٨٠٦]- المعرض، من الملائكة، الذين وكلهم الله على حفظه، وحفظ أعماله، فيحضره يوم القيامة ويحضر أعماله ويقول: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أي: قد أحضرت ما جعلت عليه، من حفظه، وحفظ عمله، فيجازى بعمله.
ويقال لمن استحق النار: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ أي: كثير الكفر والعناد لآيات الله، المكثر من المعاصي، المجترئ على المحارم والمآثم.
﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أي: يمنع الخير الذي عنده (١) الذي أعظمه، الإيمان بالله [وملائكته] (٢) وكتبه، ورسله مناع، لنفع ماله وبدنه، ﴿مُعْتَدٍ﴾ على عباد الله، وعلى حدوده (٣) ﴿مُرِيبٍ﴾ أي: شاك في وعد الله ووعيده، فلا إيمان ولا إحسان ولكن وصفه الكفر والعدوان، والشك والريب، والشح، واتخاذ الآلهة من دون الرحمن، ولهذا قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ أي: عبد معه غيره، ممن لا يملك لنفسه نفعًا، ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة، ولا نشورًا، ﴿فَأَلْقِيَاهُ﴾ أيها الملكان القرينان ﴿فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ الذي هو معظمها وأشدها وأشنعها.
﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾ الشيطان، متبرئًا منه، حاملا عليه إثمه: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ لأني لم يكن لي عليه سلطان، ولا حجة ولا برهان، ولكن كان في الضلال البعيد، فهو الذي ضل وأبعد عن الحق باختياره، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم﴾ الآية (٤).
قال الله تعالى مجيبًا لاختصامهم: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ أي: لا فائدة في اختصامكم (٥) عندي، ﴿و﴾ الحال أني ﴿قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ أي: جاءتكم رسلي بالآيات البينات، والحجج الواضحات، والبراهين الساطعات، فقامت عليكم حجتي، وانقطعت حجتكم، وقدمتم علي بما أسلفتم من الأعمال التي وجب جزاؤها.
﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ أي: لا يمكن أن يخلف ما قاله الله وأخبر به، لأنه لا أصدق من الله قيلا ولا أصدق حديثًا.
﴿وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ بل أجزيهم بما عملوا من خير وشر، فلا يزاد (٦) في سيئاتهم، ولا ينقص من حسناتهم.
(١) في ب: قبله.
(٢) زيادة من هامش ب.
(٣) في أزيادة هنا هي (أثيم) أي كثير الإثم) ويبدو أن الشيخ سبق قلمه لآيات سورة القلم. وقد شطبت الزيادة من ب.
(٤) في ب وقف عند قوله: (فأخلفتكم).
(٥) كذا في ب، وفي أ: خصامكم.
(٦) كذا في ب، وفي أ: يزيد.


الصفحة التالية
Icon