ذكره لأنه لا يمتنع أن يكون أوجب عليهم أن يتقوا الله سبحانه وتعالى على كل حال، ثم أباح ترك الواجب عند الخوف على النفس كما قال سبحانه: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [النحل: ١٠٦] وأنت تعلم أن ما ذكره الجبائي إنما يخطر بالبال حتى يجاب عنه إذا فسر حَقَّ تُقاتِهِ على تقدير النسخ بما فسره هو به من ترك جميع المعاصي ونحوه وإن لم يفسر بذلك بل فسر بما جنح إليه القائل بالنسخ فلا يكاد يخطر ما ذكره ببال ليحتاج إلى الجواب، نعم يكون القول بإنكار النسخ حينئذ مبنيا على ما ذهب إليه المعتزلة من امتناع التكليف بما لا يطاق ابتداء كما لا يخفى، وأصل تُقاةً وقية قلبت واوها المضمومة تاء كما في تهمة وتخمة وياؤها المفتوحة ألفا، وأجاز فيها الزجاج ثلاثة أوجه:
تقاة، ووقاة، وإقاة وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أي مخلصون نفوسكم لله عز وجل لا تجعلون فيها شركة لسواه أصلا، وذكر بعض المحققين أن الإسلام في مثل هذا الموضع لا يراد به الأعمال بل الإيمان القلبي لأن الأعمال حال الموت مما لا تكاد تتأتى ولذا
ورد في دعاء صلاة الجنازة اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن أمته منا فأمته على الإيمان
فأخذ الإسلام أولا والإيمان ثانيا لما أن لكل مقام مقالا، والاستثناء من أعم الأحوال أي لا تموتن على حال من الأحوال إلا على حال تحقق إسلامكم وثباتكم عليه كما تفيده الجملة الاسمية، ولو قيل: إلا مسلمين لم يقع هذا الموقع والعامل في الحال ما قبل إِلَّا بعد النقض والمقصود النهي عن الكون على حال غير حال الإسلام عند الموت، ويؤول إلى إيجاب الثبات على الإسلام إلى الموت إلا أنه وجه النهي إلى الموت للمبالغة في النهي عن قيده المذكور وليس المقصود النهي عنه أصلا لأنه ليس بمقدور لهم حتى ينهوا عنه، وفي التحبير للإمام السيوطي.
ومن عجيب ما اشتهر في تفسير مُسْلِمُونَ قول العوام: أي متزوجون وهو قول لا يعرف له أصل، ولا يجوز الإقدام على تفسير كلام الله تعالى بمجرد ما يحدث في النفس أو يسمع ممن لا عهدة عليه انتهى، وقرأ أبو عبد الله رضي الله تعالى عنه مُسْلِمُونَ بالتشديد ومعناه مستسلمون لما أتى به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم منقادون له وفي الآية تأكيد للنهي عن إطاعة أهل الكتاب وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ أي القرآن وروي ذلك بسند صحيح عن ابن مسعود.
وأخرج غير واحد عن أبي سعيد الخدري قال: «قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض».
وأخرج أحمد عن زيد بن ثابت قال: «قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله عز وجل ممدود ما بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض»
وورد بمعنى ذلك أخبار كثيرة، وقيل: المراد بحبل الله الطاعة والجماعة، وروي ذلك عن ابن مسعود أيضا.
أخرج ابن أبي حاتم من طريق الشعبي عن ثابت بن قطنة المزني قال: سمعت ابن مسعود يخطب وهو يقول:
أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة فإنهما حبل الله تعالى الذي أمر به، وفي رواية عنه حبل الله تعالى الجماعة، وروي ذلك أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأبي العالية أنه الإخلاص لله تعالى وحده، وعن الحسن أنه طاعة الله عز وجل، وعن ابن زيد أنه الإسلام، وعن قتادة أنه عهد الله تعالى وأمره وكلها متقاربة.
وفي الكلام استعارة تمثيلية بأن شبهت الحالة الحاصلة للمؤمنين من استظهارهم بأحد ما ذكر ووثوقهم بحمايته بالحالة الحاصلة من تمسك المتدلي من مكان رفيع بحبل وثيق مأمون الانقطاع من غير اعتبار مجاز في المفردات، واستعير ما يستعمل في المشبه به من الألفاظ للمشبه، وقد يكون في الكلام استعارتان مترادفتان بأن يستعار الحبل للعهد مثلا استعارة مصرحة أصلية والقرينة الإضافة، ويستعار الاعتصام للوثوق بالعهد والتمسك به على طريق الاستعارة المصرحة التبعية والقرينة اقترانها بالاستعارة الثانية، وقد يكون في اعْتَصِمُوا مجاز مرسل تبعي بعلاقة الإطلاق