بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) [الزخرف] فمسألة الرزق- إذن- بيد الرزاق ذى القوة المتين وحده وقد قسمه بين خلقه فيبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وأمرنا بالسعى والحركة والعمل الجاد النافع، ليكون جلب هذه القسمة حلالا يوافق ما يرضيه سبحانه، ولن يموت الإنسان إلا وقد استوفى ما كتب الله له من رزق، وما قدر له من مأكول ومشروب وملبوس وغيره.
فإذا كان الأمر كذلك فليطمئن الإنسان إلى هذا الوعد الكريم الذى جاء فى هذه الصورة من صور الوحى، ويتقى الله ويجمل فى الطلب، أى لا يطلب هذا الرزق المقسوم إلا من طريق جميل أحله الله، ومن كسب مشروع أباحه الله، على أن الإنسان يخطئ عند ما لا يفرق بين رزق حلال يغطى حاجاته ومسئولياته وما يتزين به فى حياته، وهذا يكفيه الحلال؛ لأن حاجات الإنسان محدودة؛ فليست له أكثر من بطن للطعام والشراب، وبدنه محدود، وحاجاته إذن محدودة يغطيها ما أحل الله من رزق، ولكن ينسى الإنسان ولا يفرق بين هذا المعنى وبين جمع المال وتكثيره حتى يصير حبه للمال حبا جما يدفعه إلى طلب المزيد منه للتكاثر فقط، وعندئذ لا يبالى؛ من حلال جمعه أم من حرام. فعن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: انتهيت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) [التكاثر]، قال: «يقول ابن آدم مالى، وهل لك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت». أخرجه مسلم والترمذى والنسائى وأحمد «١».
وهذا الجمع الكثير للمال وبهذه الكيفية؛ أى بغير مبالاة من حرام أم من حلال يدل على حماقة وجهل بحقائق الأمور؛ فإنه بهذا الحب يجمع الكثير ويبخل به فلا ينفق احتسابا فى وجوه البر، وقد لا ينفق على نفسه، فيصير هذا الجمع لغيره، ويصبح هم الطلب له، والانتفاع بالمال لغيره، وعليه بعد ذلك حمل السؤال عنه، ويتضح لنا هذا المعنى من السؤال النبوى الكريم الذى وجهه الرسول صلّى الله عليه وسلم لأصحابه فى قوله: «أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه؟» قالوا: يا رسول الله ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: «اعلموا ما تقولون»، قالوا: ما نعلم إلا ذلك يا رسول الله، قال: «ما منكم رجل إلا مال وارثه أحب إليه من ماله»، قالوا: كيف يا رسول الله؟
قال: «إنما مال أحدكم ما قدّم، ومال وارثه ما أخّر». حديث صحيح «٢».
فإذا أدرك الإنسان هذه الحقائق، وعرف قسمته، وأنها بيد خالقه اتقى الله واكتفى

(١) انظر: شرح السنة النبوية ١٤/ ٢٥٨.
(٢) شرح السنة ١٤/ ٢٥٩، ٢٦٠.


الصفحة التالية
Icon