فالجواب: إنهما قطعا حقيقتان متغايرتان مختلفتان، وإن تداخلتا تداخلا طفيفا.
أما وجه التغاير والاختلاف فالحرف غير القراءة كما بينا، أما وصف الاثنين بالسبعة، فالسبعة الأولى أي الأحرف السبعة ربانية المصدر بعددها، فالقرآن نزل على سبعة أحرف ابتداء، أما السبعة التي هي وصف للقراءات فهي اصطلاح عند علماء القراءات، فابن مجاهد رأى أن أشهر القراء سبعة، وهذا ما أوقع في الإشكال.
أما وجه التداخل فهو أن الأحرف السبعة ربانية كما بينا، والقراءات السبع وإن كانت منسوبة إلى القراء السبعة، إلّا أنها ليست من وضعهم بل هم قرءوها كما نزل بها الوحي السماوي فليست القراءات سبع على وجه التحديد، إنما هي اختلاف ألفاظ الوحي كما نطقها النبي صلّى الله عليه وسلّم.
وأخيرا فقد عقد القرطبي فصلا في مقدمة تفسيره وقال: هذه القراءات السبع التي تنسب للقراء السبعة، ليست هي الأحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بها، فالقراءات هي اختيارات أولئك الأئمة السبعة (١).
قال أبو شامة: ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث «أنزل القرآن على سبعة أحرف» وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة وإنما يظن بعض الجهال (٢). وبهذا الكلام رفع الإشكال.
أما القضية فهي: هل القرآن الكريم الذي بين أيدينا يحوي الأحرف السبعة؟
وهل أمر عثمان بن عفان بكتابة الأحرف السبعة أو أنه أمر بإهمال ستة منها والإبقاء على حرف واحد.
قبل الإجابة نبادر أولا بتقرير حقيقة لا مجال للشك فيها عند الفريقين المختلفين في وجود الأحرف السبعة، هذه الحقيقة مسلم بها عند كلا الفريقين، ألا وهي أن القرآن الكريم الذي بين أيدينا اليوم لا نقص فيه ولا زيادة على ما جمعه عثمان بن عفان، وبعث به إلى الأمصار، وإن ما صنعه عثمان كان بإجماع الصحابة رضوان الله

(١) الجامع لأحكام القرآن ١/ ٤٨.
(٢) اللئالئ الحسان، ص ١٨٣.


الصفحة التالية
Icon