المصاحف عليه، وقصارى ما استطاعوا أن يسوغوا به مذهبهم وتورطاتهم هذه، أن الأمة على عهد عثمان رضي الله عنه قد اختلفت في قراءات القرآن إلى حد جعلهم يتنازعون ويترامون بتكفير بعضهم للبعض الآخر، حتى خيفت الفتنة، فرأى الصحابة بقيادة خليفتهم الحكيم عثمان رضي الله عنه، أن يعالجوا المشكلة ويطفئوا الفتنة، وبهذه الطريقة جمع الناس على حرف واحد، ونسخ المصاحف على حرف واحد، وإهمال كلّ ما عداه من الحروف والمصاحف المنسوخة عليها.
وهذا- لعمرك- استناد مائل، واحتجاج باطل. فقد تنازع الناس على عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم أيضا في قراءات القرآن على حروف مختلفة، ومع ذلك أقرّهم الرسول على هذه الحروف المختلفة، وقرّرها فيهم، وحملهم على التسليم بها في أساليب متنوعة، وجعل ذلك هو الحل الوحيد لمشكلتهم، والعلاج الناجع لنزاعهم، وأفهمهم أن تعدد وجوه القراءة إنما هو رحمة من الله بهم، وقرّر في صراحة، وهو يسأل مولاه المزيد من عدد الأحرف، أن الأمة لا تطيق حصرها في مضيق حرف واحد، وقال: «وإن أمتي لا تطيق ذلك» إلى آخر ما عرفت، وأنت خبير بأن أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم باقية إلى يوم القيامة، وهي لا تطيق ذلك كما قرّر رسولها المعصوم الرحيم صلوات الله وسلامه عليه، كما نشاهد نحن الآن من أن بعض الألسنة في بعض الشعوب الإسلامية، لا يتيسر لها أن تحسن النطق ببعض الحروف، ولا ببعض اللهجات دون بعض، فكيف يسوغ للصحابة وهم خير القرون، أن يغلقوا باب الرحمة والتخفيف الذي فتحه الله لأمة الإسلام، مخالفين بذلك هدي الرسول عليه الصلاة والسلام في عمله للتخفيف بطلب تعدد الحروف، وعلاجه للنزاع بين المختلفين بتقرير هذا التعدد للحروف؟.
ألا إن هذه ثغرة لا يمكن سدّها، وثلمة يصعب جبرها، وإلّا فكيف يوافق أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على ضياع ستة أحرف، نزل عليها القرآن دون أن يبقوا عليها مع أنها لم تنسخ ولم ترفع؟ وعلى حين أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قرّر بقوله وفعله، أنه لا يجوز لأحد أيّا كان أن يمنع أحدا أيّا كان من القراءة بحرف من السبعة أيّا كان. فقد صوّب قراءة كلّ من المختلفين، وقال لكل: «هكذا أنزلت» وضرب في صدر أبي بن كعب حين استصعب عليه التسليم بهذا الاختلاف في القراءة.


الصفحة التالية
Icon