وجد، فلا بد من تضافر الأدلة عليه، وأكد على أن النسخ واقع فى القرآن الكريم، وفى الشريعة الإسلامية بأدلة يجب التعويل عليها كلها، أفضل من التعويل على الدليل الواحد الموجود فى سورة البقرة فى قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ١٠٦]، والآية الثانية: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [النحل: ١٠١].
وقوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [الرعد: ٣٩]، فمجموع الآيات الثلاث، يعطى الدليل الواضح على وجود النسخ ووقوعه بما لا يدع مجالا لنفوذ الشك أو دخول الريب إلى النفس، وهذا يدل دلالة واضحة على أن الرازى لم يقع فى تناقض بين ما قاله فى المحصول، وما جاء فى التفسير، وأنه ذكر أدلة الجمهور وزاد عليها مناقشة المنكرين للنسخ، وأنه لا يقول بالنسخ إلا مع وجود الدليل، قال فى تفسير قوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها، وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١)، قال فى تفسيره الكبير فى المسألة الرابعة: قال المفسرون: قوله: فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها، معناه لا آخذكم بالإيمان أخذ الحفيظ عليكم والوكيل، قالوا: إنما كان هذا قبل الأمر بالقتال فلما أمر بالقتال صار حفيظا عليهم، ومنهم من يقول آية القتال ناسخة لهذه الآية، وهو بعيد، فكأن هؤلاء المفسرين مشغوفون بتكثير النسخ من غير حاجة إليه، والحق ما تقرره أصحاب أصول الفقه إن الأصل عدم النسخ، فوجب السعى فى تقليله بقدر

(١) الرازى: التفسير الكبير ١٣/ ١٣٤.


الصفحة التالية
Icon