بإسناده عن عبد الله بن سلام قال: لما غرقت الأرض كان الأنبياء يحجون أثر البيت كلهم حتى كان إبراهيم - عليه السلام - فبوَّأَهُ الله تعالى إياه، دلَّ أنه لم يتعيَّن مكان البيتِ إلا له. وروى الواقدي عن أبي جهم بن حذيفة (١) قال: أقبلَ إبراهيم - عليه السلام - من الشام على البراق حاملًا إسماعيلَ أمامه وهاجر خلفه معه جبريل - عليه السلام - يدلُّه، وإسماعيل إذ ذاك ابن سنين. وعن مجاهد ما يقرب هذا (٢). ثم إن إبراهيم - عليه السلام - انصرفَ إلى الشام فقالت هاجر: إلى من تدعنا؟ فقال: إلى الله، قالت: رضيتُ بالله. فلما غابَ إبراهيم - عليه السلام - وفني ماء القربة جزعت هاجر عطشًا وخوفًا على ابنِها، فظهر لها ملك، قيل هو: جبريل - عليه السلام -، فضرب بعقبه مكان بئر زمزم فظهر الماء فوق الأرض فتسارعت إليه، وبلَّت طرف ردائها وسقَت إسماعيل - عليه السلام - فصبَّت الماء في فيه، ثم انصرفَتْ إلى الماءِ فجعلت تجمع التراب لئلا يفيضَ الماء إشفاقًا لها عليه.
قال ابن عباس: لولا تركته يفيض لكان يفيض إلى يوم القيامة (٣). ومكثت هاجر مع إسماعيل خمسة أيام يشربان من ذلك الماء، فلما كان
(١) أبو جهم بن حذيفة القرشي العدوي، واسمه عبيد، وهو المذكور في حديث النبي عليه الصلاة والسلام عندما قال: "اذهبوا بهذه الخميصة وائتوني بأَنبجانية أبي جهم". وكان ممن بنى البيت في الجاهلية ثم عُمِّر حتى بنى فيه مع ابن الزبير، وبين العمارتين أزيد من ثمانين سنة. وكان علامة بالنسب، وهو الذي قال فيه النبي - ﷺ - لفاطمة بنت قيس إذ خطبها: "أمَّا أبو جهم فإنه ضَرَّابٌ للنساء، وأما معاوية فصعلوك لا مال له".
[تاريخ خليفة (٢٢٧)؛ الاستيعاب (٤/ ١٦٢٣)؛ أسد الغابة (٦/ ٢٥٧)؛ تاريخ الإسلام (٢/ ٣٣٠)؛ الإصابة (١١/ ٦٦)].
(٢) (هذا) ليست في "أ".
(٣) تفاصيل قصة أم إسماعيل وزمزم أخرجها البخاري في صحيحه - كتاب الأنبياء (٩/ ٣٣٦١ - ٦/ ٣٩٥ - الفتح) وهي مفصلة ومطولة، وأخرجها غيره من أصحاب الصحاح والسنن والمعاجم وهي قصة مشهورة.