اليوم السادس أقبل غلامان من العماليق النازلين حول مكةَ فأشرفا على الوافى ي فرأيا الماءَ فتعجَّبا وانطلقا إلى قومِهِما بخبرِ الماء، فسار منهم جماعةٌ حتى نزلوا الوادي، وقالوا لهاجر: مَنْ (١) أنتِ أيتها المرأةُ؟ من هذا الصبي؟ قالت: هذا ابنُ إبراهيم خليلِ الله ونبيّه، وهو ابني، وهذا الماءُ سقيٌ من الله لنا، قالوا: صدقْتِ، فإن عهدنا بهذا الوادي قريبٌ وما فيه إذ ذاكَ ماءٌ، فهل تأذنينَ لنا أن ننزلَ بهذا الوادي على أن نواسِيكُما بأموالنا؟ فأذنت استئناسًا (٢) بالناس، فأقاموا معها سنين حتى شبَّ إسماعيلُ فقسَّموا له من أموالهم قسمًا، وعظموه فيما بينهم وعرفوا له حقَّهُ. قيل: إن امرأته الأولى التي لم تُلِن الكلام لإبراهيم ولم تستنزله كانت منهم (٣) فطلَّقَها إسماعيلُ - عليه السلام -، وقيل: إنهما كانتا جُرهَميَّتين، ثم أقبل مضاض بن عمرو بن عبد الله بن جُرهم بن قحطان من اليمن في قبيلة جرهم. وقيل: إن جُرهمًا ليس بابن قحطان وإنما هو ابن أخي قحطان. واسمُ أبيه: يَفْطُر بن عابر حتى انتهى إلى مكة فزاحم العماليق ونفاهم، وزوَّج ابنته من إسماعيل - عليه السلام -.
﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا﴾ إشارة إلى المكان والوادي ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ أهلُهُ، كقوله: آمِنَةً مطمئنة. والمراد بالأمن ما (٤) اقتضاه الحرم من الأحكام المخصوصة به (٥).
﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ أي: شيئًا مِنَ الثمرات عند الأخفش وقال غيره:
(٢) (استئناسًا) ليست في "أ".
(٣) في "ب": (معهم).
(٤) في "أ": (من).
(٥) أي أن إبراهيم - عليه السلام - في حَرَّمَ مكة ليستَتِبَّ فيها الأمنُ، ويشهد لذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث رافع بن خديج قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن إبراهيم حرَّمَ مكة وإني أحرِّم ما بين لابتيها" يعني المدينة. [صحيح مسلم -كتاب الحج- باب قضل المدينة، رقم ١٣٦١]. وتحريم مكة هو تحريم القتال فيها وأن لا يعضد شوكها وأن لا ينفَّر صيدها ولا تلتقط لقطتها ولا يختلى خلاها كما جاء في الحديث.