وذكروا أن الله تعالى قال لموسى ليلته: يا موسى أنت جند من جنودي إلى ضعيف من خلقي بطر نعمتي وأمن مكري وغرته الدنيا حتى جحد ربوبيتي وأنكر حقي وشتمني وعبد دوني، فإني أقسم بعزتي وجلالي لولا إلزام الحجة عليه والعذر الذي وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار تغضب لغضبه السموات والأرضون والجبال والبحار، إن آذن للسماء اختطفته، وإن آذن للأرض ابتلعته، وإن آذن للبحار غرقته، ولكن هان عليَّ وسقط من عيني ووسعه حلمي فذكِّره إياي وخوِّفه عقابي، وأعلمه أنه لا تقول شيء لغضبي وقيل له بين ذلك: ﴿قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤].
ولا يهولنَّك ما عنده من رياش الدنيا فإن ناصيته بيدي ليس يطرف ولا يتكلم إلا بإذني، وأعلمه أني إلى العفو والمغفرة أقرب مني إلى الغضب والعقوبة، وقيل: أجب ربك فإنه واسع المغفرة وقد أمهلك منذ أربع مائة سنة أنت مبارز فيها بالعداوة وتصد عن عبادته وهو يمطر عليك السماء وينبت لك الأرض ولم تسقم قط ولم تهرم، ولو شاء لفعل بك ذلك ولكنه ذو أناة وحلم، وجاهده بنفسك وأخيك (١) محتسبين صابرين فإني لو شئت أن أؤيدكما بجنود لا قبل لهم بها وسلطان لا قوام لهم به لفعلت، ولكني أزوي ذلك عنهما وكذلك أفعل بأوليائي، وإني لأزوي عنهم نعم الدنيا وملكها ولذاتها كما يزوي الراعي المشفق إبله عن مراتع الهلكة، وأجنبهم نعيمها ورخاءها كما يجنب الراعي المشفق إبله عن مراتع الغرة، وما ذلك من هوانهم علي ولكن ليستوجبوا به نعيم الآخرة. واعلم يا موسى أنه لم يتزين المتزينون عندي بزينة أحب إلى من الزهد في الدنيا، ولم يتقرب المتقربون إلى بشيء أحب إلى من الورع عما حرمت عليهم، ولم يدرك العباد فضل الباكين من خشيتي.
أما الزاهدون في الدنيا فإني أمنحهم الجنة، وأما الورعون فإني أرفع

(١) في "ب": (بأخيك ونفسك).


الصفحة التالية
Icon