والمراد بالآية ما بقي من شرائعهم غير منسوخ، والآية الأخرى على ما قال الله تعالى لكنّه في تبديل على وجه البداء دون النسخ بدلالة قوله: ﴿بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١]. وتأويل النسخ ههنا بالانتساخ خطأ (١) بدليل ما تلونا من قوله: ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ (٢)، وقوله: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] (٣). ولو كان توقيت أمر القبلة يعلمه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما كان لتقلّب وجهه في السماء معنى (٤).
والدليل على جواز النسخ قوله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ثمّ نسخ الخلق بالخلق لا يؤدّي إلى البداء فكذلك نسخ الأمر بالأمر، ولأنّ النسخ يثبت بالعقل (٥)، ألا ترى أنّ قطع العضو محظور، ثمّ إذا أصابته آفة يرجو صاحبه السلامة بالقطع كان له أن يقطعه.
وإذا ثبت النسخ بالعقل ثبت بالوحي إذ هما معنيان موجبان، ولأنّه ثبت بالنقل العامّ الذي لا يمكن دفعه تزويج آدم أولاد صلبه بعضهم من بعض، وثبت بالعقل أيضا لأنّ إثبات النسل الأوّل إذ أمكن برجل وامرأة فلا بدّ في إثبات النسل في الدرجة الثانية إلا بتزويج ذوي الأرحام، وقد ثبت المحسوس على ذلك إلى اليوم (٦). وثبت بالنقل العامّ أيضا جمع يعقوب عليه السّلام بين أختين، لايان وراحيل (٧) ابنتا خاله، ثمّ حرم ذلك التوراة، وأحدث حكم القربان لا بني آدم، وحكم الختان لإبراهيم، والسبت، وتحريم طبخ الجدي بلبن، وصوم مدّة معيّنة، والإفطار في يوم معلوم لموسى عليه السّلام لم يتقدّمها إيجاب من أحد، ولا لزوم في عقل فثبت جواز النسخ (٨).
والفرق بين النّسخ والبداء أنّ النسخ إزالة ما سبق العلم في كونه صلاحا في وقت دون وقت بما سبق العلم في كونه (٩) غير صلاح في الوقت الأوّل صلاحا في الوقت الثاني. والبداء هو الاستدراك عند اتّضاح الملتبس، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا (١٠).
فإن قيل: قولكم في بيان النّسخ يؤدّي إلى الشكّ في الأوامر المطلقة، هل بقي كونها صلاحا
_________
(١) ساقطة من ب.
(٢) (وتأويل النسخ... مكان آية) ليس في ع.
(٣) ينظر: الفصول في الأصول ٢/ ٢١٥ - ٢١٨، والتفسير الكبير ٣/ ٢٢٩.
(٤) ينظر: التبيان في تفسير القرآن ٢/ ١٣.
(٥) ينظر: تفسير القرآن العظيم ١/ ١٥٦.
(٦) ينظر: الفصول في الأصول ٢/ ٢١٤، وأصول السرخسي ٢/ ٥٥، والمحصول ٣/ ٢٩٥.
(٧) في ع: راحيل، والواو ساقطة.
(٨) ينظر: الإحكام للآمدي ٣/ ١١٨، وتفسير القرطبي ٢/ ٦٣، وتفسير القرآن العظيم ١/ ١٥٦.
(٩) (صلاحا في وقت... كونه) ساقطة من ب.
(١٠) ينظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس ٦٢، والإحكام لابن حزم ٤/ ٤٧١، وللآمدي ٣/ ١٠٩ - ١١٢.