أم لا؟ قلنا: لا يؤدّي إلى ذلك لأنّا علمنا أنّ صلاحها إمّا يرتفع بأمر حادث وإمّا بتعذّر (١) الإتيان (٢٧ ظ) بها، وقد فات حدوث الأمر بانقطاع الوحي، والتّعذّر معدوم في الحال فلا وجه للشكّ، ثمّ إن وحد التّعذّر وقع اليقين بارتفاع الصلاح حالة التّعذّر (٢).
فإن قيل: قولكم هذا يؤدّي إلى أنّ الصحابة لم يعتقدوا في الأوامر المطلقة وجوبا على التأبيد، قلنا: الواجب على السامعين اعتقاد الوجوب على شريطة بقاء الحكم دون اعتقاد الوجوب على التأبيد؛ لأنّهم لا يدرون لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمرا (٣).
وإذا ثبت جواز النّسخ على طريق الإجمال فلنا (٤) أن نقتصر على ذكر مذهبنا فيه.
اعلم أنّ ما لا يجوز نسخه ستّة أنواع:
أحدها: نسخ ما يستحيل نسخه بغير جحد أو اعتراف بالكذب، كنسخ قصّة عاد وثمود وغيرهم، وكالإخبار عن نفسه بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ [النساء: ١٤٠]، وعن قول الشيطان ﴿لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ [وَعْدَ الْحَقِّ]﴾ [إبراهيم: ٢٢]، وعن قول الضعفاء والمستكبرين في النار وقول الملائكة لهم (٥).
والثاني: نسخ ما لا يجيز العقل نسخه، كنسخ الإحسان والإذعان والإيمان (٦).
والثالث: نسخ يؤدّي إلى اللوم والغرور، كنسخ ما أوجب الله تعالى من جزاء الإحسان.
والرابع: نسخ يؤدّي إلى الحنث، كنسخ قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ،﴾ الآية [الأعراف: ١٨]، وقوله: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]، ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها،﴾ الآية [مريم: ٧١]. ولو لم يكن للقسم مزيّة على الوعد والوعيد لما ذكر القسم.
والخامس: نسخ حكم لم يفد شيئا، كنسخ ما لم ينزله جبريل عليه السّلام بعد، إذ هو يؤدّي إلى البداء.
والسادس: نسخ (٧) لم يبيّن؛ لأنّه محال إذ ترك تبيين النسخ إبقاء للحكم الأوّل، فلا يجتمعان.
وما يجوز نسخه ستّة أنواع:
_________
(١) في ع: بتقدر، وفي ب: بتقدير.
(٢) ينظر: أصول السرخسي ٢/ ٥٧ - ٥٨.
(٣) ينظر: الإحكام للآمدي ٣/ ١١٨ - ١١٩.
(٤) في الأصل وك: فبنا.
(٥) الآيات ٤٧ - ٥٠ من سورة غافر. وينظر: الإحكام لابن حزم ٤/ ٤٧٥، واللمع في أصول الفقه ٥٦ - ٥٧، وأصول السرخسي ٢/ ٥٩.
(٦) ينظر: الإحكام لابن حزم ٤/ ٤٧٥.
(٧) بعدها في ب: لأنه، وهي مقحمة.


الصفحة التالية
Icon