وأن الشغبَ دائمٌ لا يزولُ، وأن هذا أمرٌ لا يصلحُ في الاجتماعِ. والذي يقول: إِنَّ قَطْعَ اليدِ عملٌ وَحْشِيٌّ لا ينبغي أن يكونَ في النظمِ التي يُعَامَلُ بها الإنسانُ. وما جرى مَجْرَى ذلك، مع أن كُلَّ هذه الأمورِ حِكْمَتُهُ بالغةٌ، وَسَنُبَيِّنُ - إن شاء الله - حِكَمَ الجميعِ إن مَرَرْنَا على الآياتِ التي هي بِهَا.
فهذا النوعُ من النظامِ هو الضلالُ والكفرُ، وقد بَيَّنَ اللَّهُ أن مَنْ يقول: إن الأُنْثَى كالذكرِ في الميراثِ أَنَّهُ ضَالٌّ، كما قال (جل وعلا) في آيةِ الصيفِ، الآية الأخيرة من سورةِ النساءِ: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ ثم أَتْبَعَهُ بقولِه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: آية ١٧٦] يبينُ لكم هذا البيانَ كراهةَ أن تقولوا: هُمَا سواءٌ في الميراثِ فَتَضِلُّوا. وهذا معنَى قولِه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾.
﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ [الأنعام: آية ٥٧]: يَقُصُّ الحقَّ كقولِه: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: آية ٣] و ﴿يَقْضِ الحقَّ﴾ كقولِه: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ [غافر: آية ٢٠] ﴿وَهُوَ﴾ (جل وعلا) ﴿خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ الذين يَفْصِلُونَ بَيْنَ الخصومِ، وسيفصلُ بينَ الخلائقِ يومَ القيامةِ، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [السجدة: آية ٢٥].
﴿قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: آية ٥٨].
هذا أَمْرٌ من اللَّهِ لِنَبِيِّهِ أن يقولَ للكفارِ الذين يستعجلونَ بالعذابِ
الرجل تمشي من عنده مع الذكور، وتنفرد معهم!! هكذا قاله بعضهم، والله تعالى أعلم.
والله (جل وعلا) كأنه علَّله، قال: ﴿إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ وقَدْ تَقَرَّر في الأصول، في مَسْلَكِ النص وفي مسلك الإيماء والتنبيه: أن الفاء من حروف العلة (١)، كقولهم: «سَهَا فسجد» أي: لِعِلَّةِ سَهْوِهِ، «سرق فقُطعت يده» أي: لعلة سَرِقَتِهِ، «حُرِّم لحم الخنزير فإنه رجس» أي: حرم لكونه رجساً.
والرجس في لغة العرب: النجس القَذِر الذي تَعَافُهُ النُّفُوس، الذي هو بالغٌ في غايَةِ الاستقذار الغاية القصوى (٢). وقال بعض العلماء: أصله من (الرِّكْس) والعرب ربما بادلت بين الحروف، و (الرِّكس) بالكاف في لغة العرب: عَذرة الناس وفضلاتهم -أكرمكم الله (٣) - هذا معنى قوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾.
وقوله: ﴿أَوْ فِسْقاً﴾ أو فسقاً: منصوب قبله مرفوع، إلا أنه عَطْفٌ على المنصوبات قبله. ﴿إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً﴾. فهو معطوف على قوله: ﴿مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ (٤).
والمراد بهذا الفسق: هو ما ذبح لغير الله، وسماه الله (فسقاً) جعله كأنه بعينه هو عين الفسق؛ لتَوَغُّلِه في الفسق الذي هو: الخروج
_________
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٤) من سورة البقرة.
(٢) انظر: المفردات (مادة: رجس) ٣٤٢، المصباح المنير (مادة: رجس) ٨٣.
(٣) انظر: المصباح المنير (مادة: ركس) ص ٩٠.
(٤) انظر: الدر المصون (٥/ ١٩٨).
بالاستواءِ فقال في بعضِ المخلوقين: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: الآية ١٣] ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الآية [النحل: الآية ٢٨] ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: الآية ٤٤] فَاللَّهُ (جل وعلا) كما وَصَفَ نفسَه بالقدرةِ والسمعِ والبصرِ والكلامِ والحياةِ إلى غيرِ ذلك، وَوَصَفَ نفسَه بالاستواءِ، كذلك وَصَفَ بعضَ المخلوقين بالسمعِ والبصرِ والقدرةِ والإرادةِ والحياةِ والاستواءِ، فَسَمْعُ اللَّهِ وبصرُه وقدرتُه وإرادتُه واستواؤُه وذاتُه جميعُ ذلك مُنزَّهٌ غايةَ التنزيهِ عن مشابهةِ شيءٍ من المخلوقين في الذواتِ والصفاتِ والأفعالِ، وَسَمْعُ المخلوقينَ وأبصارُهم وحياتُهم وقدرتُهم وإرادتُهم واستواؤهم كُلُّ ذلك لائقٌ بحالهم وبينَ صفاتِ اللَّهِ من جميعِ ذلك وصفاتِ المخلوقين من جميعِ ذلك كمثلِ ما بينَ ذاتِ الخالقِ وذاتِ المخلوقِ لاَ مناسبةَ ألبتةَ؛ لأن الخلقَ صَنْعَةٌ من صَنَائعِه
أَبْرَزَهُمْ من العدمِ إلى الوجودِ بقدرتِه وإرادتِه، فلا يخطرُ في العقلِ السليمِ أن يُمْكِنَ أن يُشْبِهُوهُ في شيءٍ من ذواتِهم أو صفاتِهم أو أفعالِهم، وهل تُشْبِهُ الصنعةُ صانعَها؟ لا وكلا - سبحانه وتعالى عما يقولُ الظالمونَ عُلُوًّا كبيرًا - وهذا هو الذي أَرَدْنَا أن نوضحَه لكم - أيها الإخوانُ - من مذهبِ السلفِ الذي هو طريقُ سلامةٍ محققةٍ مبنيٌّ على أساسِ تنزيهِ اللَّهِ عن مشابهةِ خلقِه، وعلى أساسِ تصديقِ اللَّهِ ورسولِه فيما مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه، أو مَدَحَهُ به رسولُه تصديقًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ، مع وقوفِ العقلِ البشريِّ عند حَدِّهِ، وعدم إدراكه بكنهيةِ كيفيةِ الاتصافِ.
وقد بَيَّنَّا أن هذا طريقُ سلامةٍ محققةٍ لاَ شكَّ فيها، لا تستلزمُ تَبِعَةً ولا محذورًا ولا خوفًا ولا قلقًا؛ لأنه أمرٌ واضحٌ في نورِ القرآنِ العظيمِ تنزيهُ ربِّ
وقال بعض العلماء: ﴿لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا﴾ أي: لا يُظهر حقيقة خبرها ويكشف عن مكان وقتها بالتحقيق إلا هو وحده جل وعلا.
ثم قال: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ اختلف العلماء في معنى ثقلها في السماوات والأرض على قولين (١): قال بعض العلماء: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ خفيت عليهم فثقل عليهم خفاؤها؛ لأن كل شيء خفي على الإنسان ولمْ يعلمه ثقُل عليه. وهذا الوجه وإن كان ليس قريبًا من الظاهر هو الذي اختاره كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير الطبري (رحمه الله)، واستدل على اخْتِيَارِهِ له بأن ما بَعْدَهُ مِنَ الْكَلامِ وما قبله كله في معرض علم الساعة؛ لأن قَبْلَهُ: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾ وبعده: ﴿لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً﴾ فاختار أن المراد بقوله: ﴿ثَقُلَتْ﴾ أي: خفي علمها وثقل على الناس جَهْلُهَا.
وقال بعض العلماء: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي: كبرت الساعة وعظمت على أهل السماوات والأرض؛ لأنَّ ما فيها من الأهوال والأوجال يصعب على جميع الخلائق. وهذا أقرب.
وقال بعض العلماء: لا تطيقها السماوات والأرض؛ لأن السماوات تعجز عن حملها فتتشقق، وتتناثر النجوم، وتُلَفُّ الشمس، ويُخسف القمر، وأن الأرض تُرفع جبالها، وتُبدل الأرض غير الأرض فلا تطيقها السماوات والأرض وأنها تعظم وتثقل وتكبر على أهلها لشدة ما فيها من عظم الأهوال والأوجال. ولا شك أن الشيء الذي يدك الجبال؛ تُنزع الجبال من أماكنها، وتُسَيَّر بين السَّمَاءِ والأرْضِ، ثم تُفَتَّت وتطحن؛ لأن الله (جل وعلا) ذكر تغيير نظام هذا
_________
(١) انظر: ابن جرير (١٣/ ٢٩٥)، القرطبي (٧/ ٣٣٥).
فقال له زهيرُ بنُ صردٍ: وَاللَّهِ ما فُوهَا بِبَارِدٍ، ولا ثَدْيُهَا بِنَاهِدٍ، ولاَ بَطْنُهَا بِوَالِدٍ، ولاَ زَوْجُهَا بِوَاجِدٍ. فلما قال له هذا الكلامَ قَبِلَ معاوضتَها بما عُوِّضَ به بقايا السَّبْيِ (١)، ثم إن أهلَ الغزاةِ الذين حَضَرُوهَا من الأعرابِ وغيرِهم خافوا أن يردَّ النبيُّ ﷺ على هوازنَ الأموالَ أيضًا، فَضَيَّقُوا عليه فقالوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، اقْسِمْ علينا فَيْئَنَا، حتى أَلْجَؤُوهُ إلى سَمُرَةٍ فَخَطَفَتْ رِدَاءَهُ فقال: «رُدُّوا عَلَيَّ رِدائِي، فَوَاللَّهِ لَوْ كَانَ لَكُمْ مِنَ الْفَيْءِ مِثْلُ شَجَرِ تِهَامَةَ لَقَسَمْتُهُ كُلَّهُ عَلَيْكُمْ، وَلاَ تَجِدُونِي جَبَانًا وَلاَ كَذَّابًا وَلاَ بَخِيلاً» (٢). (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) فَأَعْطَى ذلك اليومَ المؤلفةَ قلوبُهم، أعطى الأقرعَ بنَ حابسٍ مائةً من الإبلِ، وعيينةَ بنَ حصنٍ مائةً من الإبلِ، وأعطى أَبَا سفيانَ مائةً من الإبلِ، وابنَه معاويةَ مائةً من الإبلِ، وصفوانَ بنَ أميةَ مائةً من الإبلِ؛ لأن النبيَّ ﷺ لَمَّا عَزَمَ على غزاةِ حُنَيْنٍ استعارَ من صفوانَ بنِ أميةَ الجمحيَّ أَدْراعًا كانت له وَسِلاَحًا، فقال له: أَغَصْبًا يا مُحَمَّدُ؟ قال: «بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ» (٣)
وكانت تلك الأدرعُ قد فُقِدَ منها شيءٌ في
_________
(١) أخرجه الطبري في تاريخه (٣/ ١٣٥)، وذكره ابن هشام (١٣٤٢) وابن كثير في تاريخه (٤/ ٣٥٥).
(٢) البخاري في الجهاد باب: الشجاعة في الحرب والجبن. حديث رقم: (٢٨٢١) (٦/ ٣٥) وأخرجه في موضع آخر، انظر: حديث رقم: (٣١٤٨).
(٣) أخرجه أحمد (٣/ ٤٠١)، (٦/ ٣٦٥)، وأبو داود في البيوع، باب في تضمين العارية. حديث رقم: (٣٥٤٥ - ٣٥٤٧) (٩/ ٤٧٦ - ٤٧٨)، والحاكم (٢/ ٤٧)، والبيهقي (٦/ ٨٩) من حديث أمية بن صفوان عن أبيه.. وبعضهم يرويه عن أُناس من آل عبد الله بن صفوان، وبعضهم: عن ناس من آل صفوان، وللحديث شاهد من حديث جابر (رضي الله عنه) عند الحاكم (٣/ ٤٨ _ ٤٩). وانظر: الإرواء (٥/ ٣٤٤).


الصفحة التالية
Icon