﴿وَالنَّوَى﴾ جمعُ نواةٍ، وقيل: هو اسمُ جمعٍ (١) للنواةِ (٢)، كَنَوَى التمرِ وغيرِه، فَكُلُّ ثَمَرٍ في داخلِه عجمٌ يُسَمَّى: نَوًى.
فإن الإنسانَ يَبْذُرُ النواةَ فِي الأرضِ - نواةَ النخلةِ مثلاً، وهي صلبةٌ قاسيةٌ - فيشقُّها اللَّهُ، وَيُخْرِجُ منها هذه النخلةَ، هذه الشجرةَ العظيمةَ، ذاتَ الخوصِ، وذاتَ العيدانِ، وَيُنْبِتُ من تلك النخلةِ تَمْرًا أيضًا، فالذي يشقُّ الحبةَ إذا بُذِرَتْ في الأرضِ، ويُخْرِجُ منها سنبلةً، ويشقُّ النواةَ، وَيُخْرِجُ منها نخلةً، أو شجرةً أخرى - إذا كانت نواةً غيرَ نواةِ النخلِ - مَنْ يفعلُ هذه الأفعالَ التي تشاهدونَها فهو العظيمُ القادرُ على كُلِّ شَيْءٍ، وهو الربُّ وحدَه، المعبودُ وحدَه (جل وعلا)، فَعَلَى هذا الوجهِ الذي عليه جمهورُ المفسرين يُذَكِّرُنَا اللَّهُ بعظمتِه، وكمالِ قدرتِه، حيث يُنْبِتُ السنبلةَ من الحبةِ، والنخلةَ من النواةِ، فَمَنْ يفعلُ هذا فهو عظيمٌ قادرٌ على كُلِّ شيءٍ، وكأنه يشيرُ إلى أن ذلك السنبلَ الذي يُفْلَقُ عنه الْحَبَّةُ هو معيشتُنا التي لا نَسْتَغْنِي عنها، فكما أنه من باهرِ آياتِه فهو من نِعَمِهِ العُظْمَى علينا، وقد أَوْجَبَ اللَّهُ على كُلِّ إنسانٍ مِنَّا أن ينظرَ في هذا؛ لأَنَّ اللَّهَ قال بصيغةِ أَمْرٍ تقتضي الوجوبَ، في سورةِ عبسَ قال: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس: آية ٢٤] فأوجبَ على الإنسانِ بصيغةِ الأمرِ النظرَ إلى طعامِه، ومعناه: كأنه يقولُ: أيها الإنسانُ انْظُرْ إلى طعامِك، انْظُرْ إلى الخبزِ الذي تأكلُه، مَنْ هو الذي خَلَقَ الماءَ الذي أَنْبَتَهُ اللَّهُ بسببِه؟ أَيَقْدِرُ أحدٌ غيرُه على أن يخلقَ الماءَ؟! لاَ، هَبْ أن الماءَ خُلِقَ، مَنْ يَقْدِرُ على إنزالِه على هذا
_________
(١) في عمدة الحفاظ (٥٩٩) والدر المصون (٥/ ٥٧): (اسم جنس).
(٢) انظر: ابن جرير (١١/ ٥٥٠)، القرطبي (٧/ ٤٤)، الدر المصون (٥/ ٥٧)، عمدة الحفاظ (مادة: نوى) ٥٩٩.
فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} [غافر: آية ٢٨] فبدأ بالنعت بقوله: ﴿مُّؤْمِنٌ﴾ لأنه مفرد، ثم أتبعه بشبه الجملة، وهي: ﴿مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ ثم أتبعه بالجملة ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ هذا هو الأصل المُقَرَّر في المعاني، ورُبَّما قُدِّم النعت بغير الجملة، وربما قُدم النعت بغير المفرد على النعت بالمفرد، فمثال تقديمه بشبه الجملة: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ فالجار والمجرور نعت قُدِّم على النعت المفرد في قوله: ﴿عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: آية ٣١] ومثال تقديم الجملة على المفرد قوله هنا: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ فجملة ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾ نعت قُدِّم على النعت بالمفرد، ونظيره من كلام العرب قول طرفة بن العبد (١):

وَفِي الحَيِّ أَحْوَى يَنْفُضُ المَرْدَ شَادِنٌ مُظَاهِرُ سِمْطَيْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدِ
فإن قوله: (شادن ومظاهر) مفردان، قدّم قبلهما النعت بالجملة في قوله: (ينفض المرد) وهذا معروف (٢).
وقوله: ﴿مُبَارَكٌ﴾ معناه: أن هذا الكتاب مبارك، أي: كثير البركات، والخيرات، فمن تَعَلَّمَهُ وعمل به غمرته الخيرات في الدنيا والآخرة؛ لأن مَا سَمَّاهُ الله مباركاً فهو كثير البركات والخيرات قطعاً، وكان بعض علماء التفسير يقول: اشتغلنا بالقرآن فغمرتنا البركات والخيرات في الدنيا؛ تصديقًا لقوله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ ونرجو أن يكون لنا مثل ذلك في الدنيا، وهذا الكتاب المبارك لا ييسر الله للعمل به إلا الناس الطيبين المباركين، فإنه كثير البركات والخيرات؛
_________
(١) البيت في معلقته. وقوله: (أحوى): هو ظبي في ظهره خُطتان خضراوان، و (المرد): ثمر الأراك، و (شادن): ظبي ليس بالكبير، و (مظاهر): قد جمع بين اللؤلؤ والزبرجد. انظر: شرح القصائد المشهورات (١/ ٥٦).
(٢) انظر: النحو الوافي (٣/ ٤٩٦ - ٤٩٧).
غايةِ الكفرِ والعنادِ: ﴿يَا صَالِحُ﴾ سَمَّوْهُ باسمِه وقاحةً منهم واحتقارًا وعدمَ حياءٍ.
﴿يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ قَرَأَ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ: ﴿يَا صَالِحُ ائْتِنَا﴾ بتحقيقِ الهمزةِ. وقرأه ورشٌ عن نافعٍ وَالسُّوسِيِّ عن أبِي عمرٍو: ﴿وقالوا يا صالحُ اوْتِنَا﴾ (١) بإبدالِ الهمزةِ واوًا. أما إذا كان الوقفُ على ﴿يَا صَالِحُ﴾ فجميعُ القراءِ يقرؤونَ: ﴿إيتنا بما تعدنا﴾ بكسرِ الهمزةِ. فالقراءةُ في حالةِ الابتداءِ بـ ﴿إيتنا﴾ متفقٌ عليها إذا وَقَفْتَ فَقُلْتَ: ﴿يَا صَالِحُ﴾ قلتَ: في قراءةِ الجميعِ ﴿إيتنا بما تعدنا﴾ أصلُه ﴿ائتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ أُبْدِلَتِ الهمزةُ الثانيةُ مَدًّا للأُولَى.
وَمَدًّا أَبْدِلَ ثَانِيَ الْهَمْزَيْنِ مِنْ كِلْمَةٍ إِنْ يَسْكُنْ كَآثِرْ وَائْتَمِنْ (٢)
أما في الوصلِ فعامةُ القراءِ يقرؤون: ﴿يَا صَالِحُ ائْتِنَا﴾ بتحقيقِ الهمزةِ. وقرأَ ورشٌ عن نافعٍ، والسوسيُّ عن أبي عمرٍو: ﴿يَا صَالِحُ اوتِنَا﴾ بإبدالِ الهمزةِ واوًا. هذه قراءةُ السبعةِ في الوصلِ والوقفِ (٣).
ومعنَى: ﴿ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ هذا العذابُ الذي تَعِدُنَا به إن تَعَرَّضْنَا للناقةِ بسوءٍ؛ لأنك قلتَ لنا: ﴿وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فقد مَسَسْنَاهَا بسوءٍ، وهاتِ العذابَ الأليمَ الذي تَعِدُنَا به إن كُنْتَ من المرسلين، إن كنتَ رسولاً حقًّا فهاتِ العذابَ الذي
_________
(١) رُسمت في المصحف المكتوب على وفق رواية ورش عن نافع هكذا: ﴿يَا صَالِحُ إيتِنَا﴾ والنقطة أسفل همزة الوصل تدل على الابتداء بها مكسورة. وقد وُضعت الكسرة قبلها مكان الهمزة التي نُقلت حركتها للساكن قبلها وحُذفت للدلالة على الابتداء بهمزة مضمومة.
(٢) مضى عند تفسير الآية (٥٣) من سورة البقرة.
(٣) انظر: البحر المحيط (٤/ ٣٣١)، الدر المصون (٥/ ٣٦٧).
فجاءه أبو بكر من خلفه وجعل رداءه على منكبيه وقال: «يَكْفِيكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّ رَبَّكَ مُنْجِزٌ لَكَ مَا وَعَدَكَ» (١). هذا معنى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: الآية ٩].
وهذه الآية وأمثالها في القرآن تُؤخذ منها أسرار ينبغي لنا معاشر المسلمين أن نسير عليها، هذا سيد الخلق محمد (صلوات الله وسلامه عليه) لما جاءه أعظم كرب يكون كربًا للأنبياء؛ لأن الكروب إنما تعظم على الأنبياء من جهة ضياع الدين؛ لأن الدنيا لا أهمية لهم فيها، وهذه الطائفة جزم ﷺ أنها لو هلكت وقُتلت لانكسرت شوكة الإسلام، ولضاع الإسلام، ولم يُعبد الله في أرضه، وانتشر الكفر، وظهرت قوته، وطائفة الإسلام قليلة ضعيفة ليست بذات عددٍ ولا عُدد، وطائفة الكفر كثيرة قوية؛ هذا أعظم كرب دهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما دهمته هذه الكروب جعل التجاءه الصادق إلى خالق السماوات والأرض. ومن ذلك يُعلم أن من دهمته الكروب وجاءته البلايا والزلازل أنه في ذلك الوقت إنما يكون الْتِجاؤه كما كان الْتِجَاء رسول الله ﷺ إلى خالق السماوات والأرض (جل وعلا)، فعلى كل مسلم أن يفهم هذا ويعقله، ويفهم أن العبد إذا دهمته الكروب، وجاءته البلايا والمحن والزلازل، أن التجاءه في ذلك الوقت يجب انصرافه إلى ما صرف إليه النبي ﷺ التجاءه في ذلك الوقت، وهو الاستغاثة بخالق السماوات والأرض جل وعلا.
والله قد بين لنا معاشر المسلمين أن الإنسان إذا اضطر بأن دهمته الكروب، وأحدقت به النوائب والحوادث، أن الالتجاء في
_________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، حديث رقم: (١٧٦٣) (٣/ ١٣٨٣).
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: آية ٤٠] وقد قال أبو بكر في قصةِ الغارِ قصيدتَه الرائيةَ المشهورةَ التي يُبَيِّنُ فيها قولَ النبيِّ ﷺ هذا له حيث يقول (١):
قَالَ الرَّسُولُ وَلَمْ يَجْزَعْ يُوَقِّرُنِي... وَنَحْنُ فِي سُدْفَةٍ مِنْ ظُلْمَةِ الْغَارِ...
لاَ تَخْشَ شَيْئًا فَإِنَّ اللَّهَ ثَالِثُنَا وَقَدْ تَكَفَّلَ لِي مِنْهُ بِإِظْهَارِ
إلى آخِرِ القصيدةِ المشهورةِ، وهذا معنَى قولِه: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ العربُ تقولُ: (حَزِن) بكسرِ الزاءِ (يحزَن) بفتحِها (حَزَنًا) على القياسِ و (حُزْنا) إذا أصابَه الحَزَنُ، وأكثرُ ما يُسْتَعْمَلُ الحزنُ في الغمِّ من أمرٍ فائتٍ، وقد يُطْلَقُ على الغمِّ من أمرٍ مستقبلٍ كما هنا.
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ هذه معيةٌ خاصةٌ، وَاللَّهُ (جلَّ وعلا) بَيَّنَ في كتابِه أن له مع خلقِه معيةً خاصةً ومعيةً عَامَّةً. أما المعيةُ الخاصةُ كقولِه هنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، ﴿كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: آية ٦٢]، ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: آية ٤٦]، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا﴾، فمعنَى هذه المعيةِ: أن اللَّهَ ناصرُهم وحافظُهم وكالئُهم وَمُعِينُهُمْ، هذه هي المعيةُ المذكورةُ هنا.
﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ السكينةُ: (فعيلةٌ) من السكونِ، وهي الطمأنينةُ وثبوتُ الْجَأْشِ حتى لا يكونَ فيه خوفٌ ولا حَزَنٌ. ﴿عَلَيْهِ﴾ التحقيقُ أن الضميرَ عائدٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقال
_________
(١) البيتان ذكرهما ابن كثير في تاريخه (٣/ ١٨٣) ولفظهما هناك:
قال النبي - ولم أجزع - يوقرني... ونحن في سُدُف من ظلمة الغار...


الصفحة التالية
الموسوعة القرآنية Quranpedia.net - © 2026
Icon
لا تخش شيئًا فإن الله ثالثنا وقد توكل لي منه بإظهار