الأسلوبِ العجيبِ رشاشا يَسْقِي الأرضَ من غيرِ أن يَضُرَّ بأحدٍ، لا يقدرُ على هذا إلا اللَّهُ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ يعني المطرَ ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ﴾ [النور: آية ٤٣] مِنْ فُتُوقِ السحابِ ومخارجِه رشاشًا؛ لأنه لو نَزَلَ مُجْتَمِعًا لأَهْلَكَ ما سَقَطَ عليه.
هَبْ أن الماءَ خُلِقَ، وأنه أُنْزِلَ إلى الأرضِ على هذا الأسلوبِ الغريبِ العجيبِ حتى شَرِبَتِ الأرضُ وَرَوِيَتْ، مَنْ هو الذي يقدرُ على شَقِّ الحبةِ عن السنبلةِ أَوَّلاً، ثم على شَقِّ الأرضِ وإخراجِ مسمارِ النباتِ منها؟ هَبْ أن مسمارَ النباتِ خُلِقَ؟ مَنْ هو الذي يقدرُ أن يُخْرِجَ منه السنبلةَ؟ هَبْ أن السنبلةَ خَرَجَتْ، مَنْ هو الذي يقدرُ على تنميةِ حَبِّهَا؟ وَنَقْلِهِ من طَوْرٍ إلى طَوْرٍ، حتى يصيرَ
صَالِحًا مُدْرِكًا، صَالِحًا للأَكْلِ؟ ﴿انْظُرُوا إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: آية ٩٩] هذا ذَكَرَهُ اللَّهُ بقولِه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) إِنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾. وفي القراءةِ الأُخْرَى: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ (١) [عبس: الآيتان ٢٤، ٢٥] يعني: فَسَقَيْنَا به الأرضَ، ثم شَقَقْنَا الأرضَ عن النباتِ شَقًّا بعدَ أن شَقَقْنَا الحبةَ عن السنبلةِ، كما قال هنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ هذه غرائبُ صنعِ اللَّهِ وعجائبُه يُبَيِّنُهَا لِخَلْقِهِ، ويذكرُهم بنعمتِه ليعلموا عظمةَ من خلقِهم (جل وعلا) فيعبدوه وَيُنِيبُوا إليه.
هذا معنَى قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ﴾ يعني: فالقُ الْحَبِّ عن السنبلِ، وفالقُ النَّوَى عن الشجرِ، كالنخلِ مثلاً. هذا مِنْ غَرَائِبِ صُنْعِهِ وعجائبِ قدرتِه، وَمِنْ نِعَمِهِ الْعُظْمَى عليكم، حيثُ أَنْبَتَ لكم الحبوبَ والثمارَ لِتَأْكُلُوا منها.
_________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ٤٦٢.
لأنه كلام رب العالمين، إذا قرأه الإنسان وتدبَّر معانيه ففي كل حرف عشر حسنات في القراءة، وإذا تدَبَّر معانيه عرف منها العقائد التي هي الحق، وعرف أصول الحلال والحرام، ومكارم الأخلاق، وأهل الجنة وأهل النار، وما يصير إليه الإنسان بعد الموت، وما يسبب له النعيم الأبدي، وما يسبب له العذاب الأبدي، فكله خيرات وبركات؛ لأنه نور ينير الطريق التي تميز بين الحسن من القبيح، والنافع من الضار، والباطل من الحق، فهو كله خيرات وبركات، من عمل به غمرته الخيرات والبركات في الدنيا والآخرة، وأصلح له الله الدارين.
ومن غرائب الأشياء وعجائبها أن أكثر أهل المعمورة ممن يؤمنون بأنه كلام الله الذي أنزله على رسوله يطلبون الهدى في غيره، ويطلبون التشاريع والتحليلات والتحريمات من غيره! فهذا من الغرائب! إذ كيف يعدل عاقل عن كلام خالق السماوات والأرض؟ فهو النور المبين، والحبل المتين الذي بينه سيد الخلق - ﷺ - بسنته الصحيحة، يعدل عن هذا زاعمًا أنه ليس بصالح لهذا الوقت، وأن الحياة تطورت بعد نزوله تطوراً لا يلائم هذا القرآن! ومن أنزل القرآن عالمٌ بما يحدث من التطورات، وما يكون، فجعل القرآن ديناً خالداً لا ينسخه دين، باقٍ إلى يوم القيامة، وهو عالم بما ينزل وما يحدث في الدنيا، بل لو عملت الدنيا أجمعها بهذا الكتاب الكريم لأزال جميع مشاكلها، وأزال عنها كل ضرر، ونظّم علاقات حياتها على الوجوه الكاملة، وأراها الطريق الواضحة التي تحصل بها على خير الدنيا والآخرة، وهو دائماً يحث على التقدم والرُّقِيّ في جميع ميادين الحياة؛ لأنه كلام ربِ العالمين.
وَعَدْتَ به. فلما قالوا ذلك ذَكَرَ المفسرونَ ما ذَكَرْنَاهُ الآنَ، وقد قال اللهُ إنه قال لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: آية ٦٥] فهذا قرآنٌ لا شَكَّ فيه (١)، والمفسرونَ يزعمونَ أنهم قالوا له: ما العلامةُ؟ وأنه بَيَّنَ لهم أن العلامةَ اصفرارُ الألوانِ في اليومِ الأولِ، واحمرارُها في الثاني، واسودادُها في الثالثِ، ونزولُ العذابِ صبيحةَ الرابعِ، وكان كما وَقَعَ. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: آية ٧٨] سَمَّاهَا هنا في الأعرافِ: (رجفةً)، وَسَمَّاهَا في مواضعَ أُخَرَ: (صيحةً)، كقوله في سورةِ هودٍ في قصةِ قومِ صالحٍ: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ (٦٨)﴾ [هود: الآيتان ٦٧، ٦٨] سَمَّاهَا (صيحةً) في مواضعَ، وَسَمَّاهَا هنا (رجفةً)، وهي صيحةٌ في الحقيقةِ ورجفةٌ؛ لأن الْمَلَكَ يصيحُ بهم من السماءِ فترجفُ بهم الأرضُ وتزلزلُ من شدةِ الصيحةِ فتفارقُ أرواحُهم أبدانَهم (٢).
﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ الدارُ هنا معناه: الديارُ، وفي بعضِ الآياتِ: ﴿فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: الآيات ٦٧، ٩٤] بالجمعِ، وفي بعضِها: ﴿فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف الآيات: ٧٨، ٩١، العنكبوت: آية ٣٧] لأن الدارَ اسمُ جنسٍ، وهو إذا أضيفَ إلى معرفةٍ فهو عَامٌّ. فمعنَى ﴿فِي دَارِهِمْ﴾ و ﴿دِياَرِهِمْ﴾ واحدٌ، والمقررُ في
_________
(١) انظر: الأضواء (٢/ ٣٢٥).
(٢) مضى عند تفسير الآية (٧٣) من هذه السورة.
ذلك الوقت من خصائص خالق السماوات والأرض (جل وعلا)، فلا يجوز صرفه لغيره كائنًا من كان، وأوضح الله لنا هذا إيضاحًا شافيًا في آيات كثيرة من كتابه، من أوضح تلك الآيات: آيات سورة النمل، لأنه إيضاح لا لَبْسَ فيه كهذا النهار؛ لأن الله يقول: ﴿ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [النمل: الآية ٥٩] وفي القراءة الأخرى: ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١). ثم شرع تعالى يُعدد خصائص ربوبيته التي لا حق فيها لغيره ألبتة فقال: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ الجواب: لا ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ثم ذكر خاصية أخرى من خصوص الربوبية فقال: ﴿أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١)﴾ الجواب: لا إله مع الله. ثم قال: وهو محل الشاهد: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ [النمل: الآيات ٦٠ - ٦٢] الجواب: لا والله، فهذه توضح ما وضَّحه رسول الله ﷺ بفعله أن مَنْ ألجأته الكروب واضطرته النوائب والزلازل أنه لا إله مع الله في ذلك الوقت يرفع إليه ذلك إلا خالق السماوات والأرض؛ ولذا كان ﷺ في ذلك الوقت الضنك، والموقف الحرج، رفع ذلك الالتجاء إلى خالقه (جل
[٢/ب] وعلا)، وأثنى الله عليه في ذلك، وأجابه بمدد السماء ملائكة منزلين [وهكذا شأن] (٢) / الأنبياء (صلوات الله وسلامه عليهم)
_________
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢٣٤.


بعضُهم: هو إلى أَبِي بكر (١)؛ لأنه هو الحزينُ الذي يتشوشُ ضميرُه ﴿وَأَيَّدَهُ﴾ [التوبة: آية ٤٠] أي: أَيَّدَ نبيَّ اللَّهِ ﷺ أي: قَوَّاهُ ﴿بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ ظاهرُ هذه الآيةِ الكريمةِ أن وقتَ إتيانِ الكفارِ إلى الغارِ أن اللَّهَ (جلَّ وعلا) جَعَلَ عِنْدَ النبيِّ في ذلك الوقتِ جنودًا من الملائكةِ لم يَرَهَا الناسُ، لو أَرَادَ الكفارُ أن يفعلوا به شيئًا لأَهْلَكُوهُمْ، وهذا هو ظاهرُ الآيةِ، وأكثرُ المفسرينَ يقولونَ: إن معنَى ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ يعني: مَا وَقَعَ من نزولِ الملائكةِ يومَ بدرٍ، ويومَ الأحزابِ، ويومَ حنينٍ كما تَقَدَّمَ إيضاحُه. وظاهرُ القرآنِ أن جنودَ الملائكةِ تحيطُ به في ذلك الوقتِ، وَاللَّهُ الذي هو أعظمُ معه بنصرِه وعزِّه وقوتِه في ذلك الوقتِ لاَ يخافُ شيئًا، ولكن اللَّهَ (جلَّ وعلا) يُشَرِّعُ بأفعالِ رسلِه وأقوالِهم لخلقِه، فالله (جلَّ وعلا) مع عظمتِه وجلالِه وتصريحِ النبيِّ بأنه معه، وأن اللَّهَ أَيَّدَهُ بجنودِ الملائكةِ، مع هذا يدخلُ في غارٍ في ظلمةِ الليلِ، والغارُ فيه الحياتُ وخشاشُ الأرضِ؛ لِيَسُنَّ للناسِ ويشرعَ لهم حَمْلَ أعباءِ تبليغِ الرسالةِ والدعوةِ، وأن يتحملوا في شأنِ الدعوةِ إلى [٨/أ] اللَّهِ كُلَّ البلايا والمشاقِّ، ويستهينوا فيها بكلِّ عظيمٍ، هذا هو السرُّ في ذلك، / وهذا معنَى قولِه: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾ السفلى: تأنيثُ الأسفلِ، وهو الذي يَفْضُلُ غيرَه في السفالةِ والخساسةِ والانحطاطِ، كلمةُ الكفارِ جَعَلَهَا اللَّهُ هي السفلى، وكلمةُ الكفارِ هي كلمةُ الكفرِ، وعبادةُ الأصنامِ، وعبادةُ غيرِ اللَّهِ (جلَّ وعلا).
ومعنَى كونِها هي السفلى: اندحارُ أهلِها وقمعُهم وإظهارُ كلمةِ اللَّهِ.
_________
(١) انظر: هذه الأقوال في ابن جرير (١٤/ ٢٦١)، القرطبي (٨/ ١٤٨).


الصفحة التالية
الموسوعة القرآنية Quranpedia.net - © 2026
Icon
(٢) في هذا الموضع مسح في التسجيل. وما بين المعقوفين [ ] زيادة يتم بها الكلام.