وهذا معنَى قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ هذا التفسيرُ هو الذي عليه جمهورُ المفسرين، وهو المعروفُ عن علماءِ السلفِ والخلفِ، وفي الآيةِ قولانِ آخَرَانِ:
أحدُهما: أن معنَى كونِه فالقَ الحبِّ والنَّوَى: أن حبةَ القمحِ مثلاً فيها شِبْهُ شَقٍّ فِي بَعْضِ جَوَانِبِهَا، والنواةُ فيها شَقٌّ في جَانِبِهَا، أنه هو الذي جَعَلَ ذلك الشقَّ في الْحَبِّ، وجعلَه في النَّوَى لِيُرِيَ الناسَ كمالَ قُدْرَتِهِ.
الوجهُ الثاني: هو ما ذَكَرَهُ بعضُ أهلِ العلمِ: أن الفلقَ والفطرَ والخلقَ كُلُّهَا مترادفةٌ. فمعنَى: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ أي: خالقُ الْحَبِّ والنوى وغير ذلك.
والأولُ هو أَشْهَرُهَا.
وقولُه: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ فقولُه: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ كالتفسيرِ لقولِه: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ لأَنَّ الحبةَ اليابسةَ كأنها
مَيِّتَةٌ، وَكُلُّ شيءٍ يَنْمُو ويتزايدُ تُسَمِّيهِ العربُ حَيًّا؛ وَلِذَا يُسَمُّونَ النباتَ حَيًّا؛ لأنه ينمو، وَيُسَمُّونَ اليابسَ منه - الذي لاَ يَنْمُو - يُسَمُّونَهُ مَيْتًا. ومن هنا كانوا يقولونَ للأرضِ الجدبةِ القاحلةِ: مَيْتَةً؛ لأَنَّ نَبَاتَهَا يابسٌ لاَ يَنْمُو، فإذا نَبَتَ فيها النباتُ الأخضرُ النَّامِي سَمَّوْهَا: حيةً. كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ [يس: الآيات ٣٣ - ٣٥]. وَلِذَا قال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ الْحَيُّ هنا: هو السنبلُ الأخضرُ النَّامِي، والنخلُ والشجرُ الأخضرُ النامي يُخْرِجُهُ اللَّهُ من
القرآن يحث الإنسان على أن يُعْطِي جسده حظه، وأن يعطي روحه حظها (١). وإذا قرأ الإنسان القرآن فهم كيف يدعو الإنسانَ إلى الجَدِّ والكَدْحِ في هذه الحياة الدنيا، وإلى طاعة خالق هذا الكون، ونَحْنُ نُقَرِّرُ في المناسبات وفي الدروس دائماً أن هذا الحيوان الذي هو الإنسان، أنه حيوان مركب من جوهرين مختلفين بالذات اختلافاً جَذْرِيّاً حقيقيّاً، وأَصْلَاه اللَّذان تَرَكَّبَ منهما متنافيان كل التنافي -أعني بهما روحه وجسده- فحقيقة الروح من العالم العلوي، والجسد من العالم السفلي، وبين الروح والجسد تَبَايُن وتنافٍ تام بالجوهر والعنصر وجميع الصفات، والله رَكَّبَ الإنسان منهما، فالروح وَحْدَه ليس بإنسان، والجسد وحده ليس بإنسان، وإنما هو حيوان مركب منهما، ومعلوم أن الروحَ له متطلبات لا تكفي عنها متطلبات الجسم، وأن الجسم له متطلبات لا تكفي عنها متطلبات الروح، فللجسم متطلبات لا بد منها، كالقوة الجسمية، والله (جلّ وعلا) يحث على هذا كل الحث؛ لأن من أعظم أنواع تربية القوة الجسمية هو إعداد القوة الكافية، والوحدة حولها وحدةٌ حقيقية صحيحة، والله يقول: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: آية ٦٠] فهذه الآية الكريمة بظاهرها تساير التطور مهما بلغ التطور من أنواع القوة؛ لأن الله يأمر بإعداد كل ما يدخل في طاقة الإنسان من إعداد القوة لِيَتَقَوَّى بها المسلمون، ويردوا بها الهجوم المسلّح، ويحافظوا بها على بيضة الإسلام، فهذا مِنْ أَعْظَمِ الأمر بأسباب القوة، وكذلك يأمر بالاجتماع؛ لأن البلايا كلها من المخايلات وعدم اتحاد القلوب، واختلاف القلوب وتباغضها، وهذا هو السبب
_________
(١) مضى عند تفسير الآية (١١٥) من سورة الأنعام.
الأصولِ: أن مِنْ صِيَغِ العمومِ إضافةُ المفردِ إذا كان اسمَ جنسٍ إلى معرفةٍ، فإنه يَعُمُّ، ونظيرُه في القرآنِ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: آية ٣٤] أي: نِعَمَ اللَّهِ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: آية ٦٣] أي: أوامرَه ﴿إِنَّ هَؤُلاَءِ ضَيْفِي﴾ [الحجر: آية ٦٨] أي: أَضْيَافِي، ونحو ذلك كثيرٌ معروفٌ في الأصولِ وفي العربيةِ (١).
ومعنَى: ﴿جَاثِمِينَ﴾ هو خبرُ أَصْبَحُوا، والجاثمونَ جمعُ تصحيحٍ للجاثمِ، والجاثمُ: المتصفُ بالجثومِ، وأصلُ الجثومِ: هو أن يكونَ الإنسانُ مُنْكَبًّا على وَجْهِهِ، رُكْبَتَاهُ في الأرضِ، ومكانُه يُسَمَّى (المجْثَم) فالذي يفعلُه ولدُ الظبيةِ إذا كان مُنْبَطِحًا مُنْكَبًّا على وجهه يسمى (جثومًا) ومكانُه يسمى (المجْثَم) على القياسِ (٢)، ومنه قولُ زهيرِ بنِ أبي سلمى في معلقتِه (٣):
| بِهَا الْعِينُ وَالآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً | وَأَطْلاَؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ |
_________
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٧) من سورة البقرة.
(٢) انظر: تفسير ابن جرير (١٢/ ٥٤٦)، القرطبي (٧/ ٢٤٢) عمدة الحفاظ (مادة: جثم) ص٨٨.
(٣) شرح القصائد المشهورات (١/ ١٠٠).
و (العِين): البقر. و (الآرام): الظباء. و (الأطلاء): أولادها. و (خِلْفَة): فوجًا بعد فوج.
يلتجئون إليه في تلك الظروف الحرجة والأوقات الضنكة. وكان الكفار -لأَن عندهم عقلاً معيشيًّا دنيويًّا- إذا نزلت بهم البلايا ودهمتهم الكروب أخلصوا في ذلك الوقت الدعاء لله، وأعطوا الحق لمن له الحق، حتى إذا أنقذهم الله من ذلك رجعوا إلى كفرهم.
والآيات الدالة على هذا لا تكاد تحصيها في المصحف الكريم ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ أي: وخافوا من الموت من هيجان تلك الأمواج ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: الآية ٣٢] ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ أي: ودهمتهم الأمواج، وعاينوا الهلاك ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: الآية ٦٥] ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [يونس: الآيتان ٢٢، ٢٣] ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً (٦٨) أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفا مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)﴾ [الإسراء: الآية ٦٧ - ٦٩] والآيات بهذا المعنى لا تكاد تحصيها في المصحف، والمعروف في التاريخ أن سبب إسلام عكرمة بن أبي جهل (رضي الله عنه) أن النبي (صلوات الله وسلامه عليه) لما فتح مكة -وكان عكرمة شديد العداوة له صلى الله عليه وسلم- هرب من مكة ذاهبًا إلى الحبشة، فركب في البحر الأحمر ذاهبًا إلى الحبشة، فلما لَجَّجُوا في البحر هاجت عليهم عواصف الريح، واضطربت عليهم الأمواج، فخافوا الهلاك وعاينوا الموت، فإذا كل
﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ كلمةُ اللَّهِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وما تَضَمَّنَتْهُ، صارت هي العليا، وصار الْحُكْمُ لها، وصار صناديدُ الكفَرَةِ بينَ مقتولٍ ومأسورٍ وَمُسْلِمٍ، وصارت أحكامُ اللَّهِ هي التي تَنْفُذُ، وكلمتُه هي التي يُعْمَلُ بها في أرضِه، ودحض اللَّهُ الكفارَ وأهلَكهم. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾.
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ العزيزُ: الغالبُ الذي لاَ يغلبُه شيءٌ. والعزةُ: الغلبةُ، ومنه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: آية ٨] أي: لله الغلبةُ ولرسولِه وللمؤمنينَ، ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: آية ٢٣] أي: غَلَبَنِي في الخصامِ. ومن أمثالِ العربِ: «مَنْ عَزَّ بَزَّ» (١) يعنونَ مَنْ غَلَبَ اسْتَلَبَ. ومنه قولُ الخنساءِ بنتِ عمرِو بنِ الشريدِ السلميةِ الشاعرةِ (٢):
| كَأَنْ لَمْ يَكُونُوا حِمًى يُخْتَشَى | إِذِ النَّاسُ إِذْ ذَاكَ مَنْ عَزَّ بَزَّا |
_________
(١) مضى عند تفسير الآية (٩٦) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
(٣) مضى عند تفسير الآية (٨٣) من سورة الأنعام.