ومعنَى: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ﴾ الإصباحُ: أصلُه مصدرُ (أَصْبَحَ يُصْبِحُ إِصْبَاحًا)، إذا جاء ضوءُ النهارِ مِنْ بَعْدِ ظَلاَمِ اللَّيْلِ (١).
وعامةُ القراءِ السبعةِ قرؤوا: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ﴾ بكسرِ الهمزةِ. مصدرُ (أَصْبَحَ، يُصْبِحُ، إِصْبَاحًا). وهو مصدرٌ سُمِّيَ به، [والعربُ] (٢) تقولُ للصبحِ: إصباحًا، وهو معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ امرئِ القيسِ (٣):
أَلاَ أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلاَ انْجَلِ بِصُبْحٍ وَمَا الإِصْبَاحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِ
فَبَيَّنَ أنه يقصدُ بالإصباحِ: الصبحَ، فأصلُه مصدرُ (أَصْبَحَ، يُصْبِحُ، إِصْبَاحًا).
وهناك قراءةٌ شاذةٌ قرأ بها الحسنُ وغيرُه: (فالقُ الأصباحِ وجاعلُ الليلِ سكنًا) هذه شاذةٌٌ غيرُ سبعيةٍ، هي معروفةٌ عن الحسنِ وغيرِه (٤).
القراءةُ: (الأصباح) بفتحِ الهمزةِ جَمْعُ (صبح)، والعربُ تقولُ: «أصباحٌ، وأَمْساء». جَمْعُ (صبح، ومساء). و «إصباح وإمساء»، مصدرُ (أصبح، وأمسى) وهو كلامٌ معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الراجزِ (٥):
_________
(١) انظر: ابن جرير (١١/ ٥٥٤)، القرطبي (٧/ ٤٤)، البحر المحيط (٤/ ١٨٥)، الدر المصون (٥/ ٥٨).
(٢) في هذا الموضع انقطاع في التسجيل. وما بين المعقوفين زيادة يتم بها المعنى.
(٣) ديوان امرئ القيس، ص١١٧.
(٤) انظر: ابن جرير (١١/ ٥٥٧)، القرطبي (٧/ ٤٥)، البحر المحيط (٤/ ١٨٥)، الدر المصون (٥/ ٥٨).
(٥) البيت في البحر المحيط (٤/ ١٨٥)، الدر المصون (٥/ ٥٩) وشطره الأول فيهما هكذا: «أفنى رياحا وبني رياح».
الرابع: النسب: وهو من يتجرأ على المجتمع فيضيّع بعض أنسابه.
الخامس: المال.
السادس: العِرض.
فإن جميع المظالم في دار الدنيا تدور حول هذه الأشياء، وهي العدوان على دين الإنسان، أو العدوان على نفسه، أو العدوان على عقله، أو العدوان على نسبه، أو العدوان على ماله، أو العدوان على عرضه، فهذه الجواهر الستة التي تدور حولها المظالم في دار الدنيا لا تجد نظاماً أحوط لها وأحصن لها، وأشد محافظة عليها من نظام السماء، الذي تضمنه هذا الكتاب المبارك، المنزّل مِنْ رَبِّ العَالَمين، فتراه يحافظ على الدين أشد المحافظة، فيقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: آية ١٩٣] أي: حتى لا يبقى في الدنيا شرك ولا فساد دين، ويقول: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (١) ويقول: ﴿يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ﴾ [البقرة: آية ٢١٧] يحثهم على أنهم يجاهدون كل المجاهدة من أراد أن يغيّر دينهم ويردهم عنه.
وأما النفس فقد جعل القرآن دونها حائطاً من حديد، وهو القصاص؛ لأن أعظم صيانة للنفوس ومحافظة عليها: شرع القصاص؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: آية ١٧٩] ومعنى أن كون القصاص لنا به الحياة: أن الرجل ينزغ فيه الشيطان فيغضب فينوي أن يقتل الذي أغضبه، فيأخذ الخنجر أو السكين، أو آلة القتل، ثم يذهب مصمماً على أن يقتله، فيتذكر أنه
_________
(١) مضى عند تفسير الآية (١١٥) من سورة الأنعام.
ومن ذلك يُعْلَمُ أنه لا تجوزُ السُّكْنَى في مَحَلِّ ديارِهم، ولا الزراعةُ ولا الغرسُ في محلِّ ديارهم، كُلُّ ذلك لا يجوزُ. لا يجوزُ الانتفاعُ بمياهِ أرضِهم، ولا الازدراعُ فيها، ولا الشربُ منها، ولا غَرْسُ شجرٍ بها، كُلُّ ذلك حرامٌ ممنوعٌ لا يجوزُ، كما دَلَّتْ عليه الأحاديثُ النبويةُ الصحيحةُ. فيجبُ على مَنْ بَسَطَ اللَّهُ يدَه إذا أرادَ بعضُ الجهلةِ أن يسكنَ في ديارِ قومِ صالحٍ وأن يشربَ من مياهِها ويزرعَ على مياهِها ويغرسَ عليه الأشجارَ أن يمنعَه من ذلك كُلِّهِ اقتداءً بالنبيِّ ﷺ وهو خيرُ قدوةٍ، فقد مَنَعَ أصحابَه من أن يشربوا من مائِها، وَمَنَعَهُمْ أن يأكلوا عَجِينًا عُجِنَ بمائها، وأن يأكلوا حَيْسًا بُلَّ بمائِها، وهو ﷺ خَيْرُ أُسوةٍ، وكل هذا ثابتٌ في الصحيحين عن ابنِ عمرَ وغيرِه رضي الله عنهم.
فنهيُ النبيِّ ﷺ عن الشربِ من آبارِ ثمودَ ومنعُه من أَكْلِ العجينِ الذي بُلَّ بمائها، وَمِنْ أَكْلِ الحيسِ الذي بُلَّ بمائها، وَتَلَثُّمُهُ ﷺ وإسراعُه السيرَ ليجاوزَ واديَهم، وأمرُه أصحابَه أن لا يشربوا إلا من البئرِ التي كانت تشربُ منها الناقةُ يدلُّ على أن بلادَهم أرضُ غضبٍ، وأنها لا يجوزُ السُّكْنَى فيها، ولا يجوزُ دخولُ ديارِهم لأحدٍ إلا وهو يَبْكِي خوفًا من اللَّهِ أن يُنْزِلَ به مثلَ ما أنزل بهم. فالذي يدخلُ بلادَهم ليتفرجَ وينظرَ غيرَ باكٍ ففعلُه حرامٌ لا يجوزُ للأحاديثِ الصحيحةِ النبويةِ الثابتةِ عنه صلى الله عليه وسلم، ولا يجوزُ أن يُتْرَكَ أحدٌ يزرعُ في ديارِهم، ويشربَ من مائها، ويأكلَ من الحَبِّ المزروعِ
والأول أظهر، والسياق واحد. وهذا مبنيٌّ على قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ فصرح تعالى أن ذلك ببدر والكلام متصل آخره بأوله ﴿وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: الآية ١٢٣] إلى أن قال: ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ في ذلك اليوم الذي نصركم الله فيه وأنتم أذلة ﴿أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ﴾ [آل عمران: الآية ١٢٤].
والحاصل أنه مختلف في المَدَدِ هَلْ هو ألف واحدة أو إلى خمسة آلاف؟ وأظهر القولين: أن المدد المذكور في آل عمران هو المذكور في الأنفال هذه، وأنه خمسة آلاف، ومما يؤيده: أنه لم يعلم أن الملائكة نزلت للقتال ظاهرًا إلا يوم بدر، وغير ذلك تنزل جنودًا لم يرها الناس كما جاء في حنين وغيرها والأحزاب؛ لأن الله بين أن الملائكة نزلت في الأحزاب وفي حنين حيث قال في الأحزاب: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: الآية ٩] وقال في قصة حنين: ﴿ثُمَّ أَنَزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: الآية ٢٦] ولم يقل أحد من العلماء: إن جنود الملائكة التي نزلت في غزوة الأحزاب وفي غزوة حنين أنهم قاتلوا، وإنما اختلفوا في ذلك في [بدر] (١)، فذهب جماعة من أهل العلم وجاءت به آثار: أن الملائكة قاتلوا. وظاهر سياق آية الأنفال هذه تدل على أن الملائكة هم الذين أُمروا بالضرب فوق الأعناق وضرب البنان؛ لأنه قال: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ﴾ فهذا السياق للملائكة ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: الآية ١٢] فهذا السياق ظاهر في الملائكة،
_________
(١) في الأصل: «أُحد» وهو سبق لسان.
فيعطفون عليها المخفوضِ نظرًا إلى جوازِ خفضِها، وإن كانت غيرَ مخفوضةٍ في الواقعِ (١). ومن شواهدِه المشهورةِ قولُ زهيرِ بنِ أَبِي سُلْمَى (٢):

بَدَا لِيَ أَنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ مَا مَضَى وَلاَ سَابِقٍ شَيْئًا إِذَا كَانَ جَائِيَا
فقولُه: (ولا سابق) بالخفضِ في روايةِ بيتِ زهيرِ عطفًا على «مدرك» وهو منصوبٌ، إلا أنه يجوزُ جَرُّهُ بالباءِ، فيجوزُ: لستُ بِمُدْرِكٍ ولا سابقٍ. ونظيرُه قولُ الآخَرِ (٣):
مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً وَلاَ نَاعِبٍ إِلاَّ بِيَيْنٍ غُرَابُهَا
كما هو معلومٌ في محلِّه. ونحنُ نذكرُ هذه الأشياءَ العربيةَ وإن كان أكثرُ المستمعينَ لاَ يفهمونَها لأنا نريدُ أن تكونَ هذه الدروسُ القرآنيةُ يستفيدُ منها كُلُّ الحاضرينَ على قَدْرِ استعداداتِهم، وَاللَّهُ يوفقُ الجميعَ للخيرِ.
الوجهُ الثانِي: أن (أن) هذه هي التي تُحْذَفُ قبلَها (لا) أو مضاف كقولِه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: آية ١٧٦] ففي قولِه: ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ ونحوِه وجهانِ. أي: يُبَيِّنُ اللَّهُ لكم لئلاَّ تضلوا، أو كراهةَ أن تضلوا. هذانِ الوجهانِ في (أن) في القرآنِ فيما يماثلُ هذا كقولِه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ وقولِه: ﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا﴾ [الحجرات: آية ٦] أي: لئلاَّ تصيبوا، أو كراهةَ أن تصيبوا. وهذانِ الوجهانِ في قولِه: {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
_________
(١) راجع ما سبق عند تفسير الآية (٦٧) من سورة البقرة.
(٢) تقدم هذا الشاهد في الوضع السابق.
(٣) تقدم هذا الشاهد في الوضع السابق.


الصفحة التالية
Icon