| أَرْبَى رَبَاحًا وَبَنِي رَبَاحِ | تَنَاسُخُ الأَمْسَاءِ وَالأَصْبَاحِ |
| ............... | تَنَاسُخُ الإِمْسَاءِ وَالإِصْبَاحِ |
وفي هذا المعنَى سؤالٌ معروفٌ، لطالبِ العلمِ أن يقولَ: اللَّهُ ذَكَرَ هنا أن الإصباحَ هو الذي يفلقُه اللَّهُ. والذي يُفْلِقُ في الحقيقةِ: الظلامُ، هو الذي يُفْلِقُ وَيُشق عن نورِ الصباحِ، أما كونُ نورِ الصباحِ هو الذي يُفلق ويُشقُّ فهذا فيه إشكالٌ، فيه سؤالٌ معروفٌ للعلماءِ.
وللعلماءِ عن هذا السؤالِ أَجْوِبَةٌ (١):
منها قولُ بعضِهم: الكلامُ على حذفِ مُضَافٍ: فالقُ ظلمةِ الإصباحِ. وأنه حَذَفَ المضافَ إليه، ولا يَخْلُو مِنْ بُعْدٍ؛ لأَنَّ هذا المضافَ لَمْ تَحْتَفَّ بِهِ قَرِينَةٌ.
وقال بعضُ العلماءِ: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ﴾ لأَنَّ الإصباحَ يبدأُ شعاعُ الصبحِ أَوَّلاً وتحتَه ظلامٌ، وَلَمْ يُسْفِرْ إِسْفَارًا تَامًّا يكشفُ الظلامَ كَشْفًا كُلِّيًّا، ثم ينصدعُ ذلك الإصباحُ انصداعًا كُلِّيًّا عن ضوءِ النهارِ كما ينبغي، وهذا معروفٌ ومنه قولُ أَبِي تَمَّامٍ (٢):
وَأَزْرَقُ الْفَجْرِ يَبْدُو قَبْلَ أَبْيَضِهِ وَأَوَّلُ الْغَيْثِ قَطَرٌ ثُمَّ يَنْسَكِبُ
_________
(١) انظر: البحر المحيط (٤/ ١٨٥)، الدر المصون (٥/ ٦٠).
(٢) البيت في مشاهد الإنصاف (ملحق بالكشاف ٤/ ١١)، الدر المصون (٥/ ٦٠).
إن قتله يتذكر صَلْبَه على الخشبة مقدماً لوليّ المقتول ليقتله أمام الناس، فإذا تذكر ذلك الموقف الذي يصير إليه أمره خاف، وارتعدت فرائصه، وهاب القتل، فحيي المقتول وحيي هو، وقَتْل نفس واحدةٍ قصاصاً يُحيي الله به ملايين الأنفس، وهذه حكمة القرآن وشرعه.
وهؤلاء الكفرة الذين تشبعوا بالآراء الإفرنجية، الذين يقولون إن القصاص من السفاهات، أن هذا الرجل قتل رجلاً ونقص به عدد المجتمع، فكيف نضايف بأن ننقص عدد المجتمع برجل آخر؟!! هذه فلسفة شيطانية، أصحابها لا يعرفون الحقائق، فإن الرجل الذي قَتَلْنَا أحيينا بقتله آلاف النفوس؛ لأن الشيطان ينزغ بين الناس، ويُغضِب السفهاء حتى يُقدموا على القتل، ولا يردعهم إلا القصاص، فإذا أراد أن يقتل تَذَكَّرَ مَوْقِفَهُ أمَامَ الناس مصلوباً على خشبة، أو ممسوكاً مجعولاً على عينيه غطاء ليقتله ولي الدم، فإذا تذكر موقفه أمام الناس ليُقتل خاف وحاسب، فحيي هو وحيي المقتول، ونحن نقول مثلاً -وقصدنا بيان دين الإسلام ومحاسنه وصيانته للحقائق، لا إطراء زيد ولا عمرو- أن هذه البلاد لمّا كانت تحكم بالقصاص، وتقطع يد السارق- نرجو الله أن يُسدد الحاكمين عليها للخير، ويديمهم على الحكم بحكم الإسلام- إذا وُجدت الإحصاءات العالمية في جنايات القتل أو السرقة تجد هذه البلاد أقل من جميع البلاد المتحضِّرَة المترقية حوادث وجنايات، فكل ذلك بفضل الله ثم بفضل هذا النظام السماوي، الذي وضعه خالق السماوات والأرض؛ حياطة للنفوس وحياطة للأموال.
ثم إنا إذا وجدنا الأنساب، نجد الشرع الكريم حافظ على
بمياههم، كُلُّ ذلك لا يجوزُ؛ لأنها أرضُ غضبٍ ملعونةٌ لا يجوزُ المقامُ فيها ولا الانتفاعُ بمائها.
ثم ذَكَرَ تعالى القصةَ الرابعةَ وهي قصةُ لوطٍ، قال: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ [الأعراف: آية ٨٠] اختلفَ العلماءُ في وجهِ نصبِ ﴿لُوطًا﴾ في قولِه: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ على وَجْهَيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ (١):
قال بعضُ العلماءِ: هو معطوفٌ على ما قبلَه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: آية ٥٩] ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: آية ٦٥] أي: وَأَرْسَلْنَا هودًا إلى عادٍ ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: آية ٧٣] أي: وَأَرْسَلْنَا صالحًا إلى ثمودَ، وأرسلنا لوطًا أيضًا فقال لقومِه كذا وكذا.
وبعضُ العلماءِ يقولُ: هو منصوبٌ بـ «اذْكُرْ» محذوفًا. وَاذْكُرْ لوطًا حينَ قال لقومِه. وعليه يكونُ: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ بدلُ اشتمالٍ من قولِه: ﴿لُوطًا﴾ كما قاله غيرُ واحدٍ.
ولوطٌ: هو لوطُ بنُ هارانَ ابنُ أَخِي إبراهيمَ.
والمؤرخونَ يزعمونَ أن أبا إبراهيمَ اسمُه (تارح) والقرآنُ صَرَّحَ بأن اسمَ أبيه (آزر) حيث قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: آية ٧٤] ولا مانعَ من أن يكونَ له اسمانِ، أو اسمٌ وَلَقَبٌ (٢). وهم يقولونَ: إن نَبِيَّ اللَّهِ لوطًا ابنُ أَخِي إبراهيمَ، وأنه لَمَّا أَنْجَى اللهُ إبراهيمَ من نارِ النمرودِ وسافرَ من سوادِ العراقِ مُهَاجِرًا إلى الشامِ أن لوطًا كان مِمَّنْ هَاجَرَ مع إبراهيمَ {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى
_________
(١) انظر: الدر المصون (٥/ ٣٧٠).
(٢) مضى عند تفسير الآية (٨٤) من سورة الأنعام.
وقد ذكرنا روايات عن بعض الصحابة أن بعضهم قال: بينما أنا أتبع رجلاً إذ سقط ميتًا أمامي، وسمعت ضربة سوط فوجدت وجهه مشقوقًا مخطومًا واخْضَرَّ محل الضربة كله (١). وأن رجلاً قال: أردت أن أقتل رجلاً فَسَقَطَ رَأْسُهُ قبل أن أضربه (٢). وأنهم أَعْلَموا النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه قال: «ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ».
والذين قالوا: إن الملائكة لم تقاتل يوم بدر لا حجة قوية معهم؛ لأنهم إنما استدلوا على ذلك بأن ملكًا واحدًا يقدر على إبادة جميع الناس، وأن جبريل رفع مدائن قوم لوط على ريشة من جناحه، ولا مانع من أن الله يجعل الملائكة مددًا وعونًا يَقْتُلُون معهم ليكون شرف الهزيمة لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن الملك لو أهلكهم ما كان للصحابة في ذلك من فضل ولا من شرف، ولكن الله أعانهم ليكون النصر بأيديهم، وإهانة الكفار بأيديهم، كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (١٤)﴾ الآية [التوبة: الآية ١٤]، وهذا معنى قوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى﴾ [الأنفال: الآيتان ٩، ١٠] هذه الآية مما استدل بها من قال: إن الملائكة لم تقاتل؛ لأن الضمير في قوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ﴾ راجع إلى الإمداد بالملائكة الذين يتبع بعضهم بعضًا ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أي: إمدادكم بالملائكة يقاتلون معكم ﴿إِلاَّ بُشْرَى﴾ أي: إلا بشارة لكم بالنصر، قالوا: فالله (جل وعلا) قصره على البشرى، ولم يقل: إن فيه قتالاً. وبعضهم يقول: لما قيل لهم: إنهم معكم، يقاتلون
_________
(١) تقدم تخريجه في بداية تفسير الآية.
(٢) تقدم تخريجه في بداية تفسير الآية.
الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤)} [التوبة: الآية ٤٤] بل إذا أَمَرْتَ بالجهادِ قاموا مُسْرِعِينَ ممتثلين أمرَ اللَّهِ، راغبينَ في غزوِ الكفرةِ لأن تكونَ كلمةُ اللَّهِ هي العليا. وهذه الآيةُ تَدُلُّ على أن المؤمنَ بمعنَى المؤمنِ الصحيحِ من صفاتِه الكاشفةِ أن يكونَ مُبَادِرًا للجهادِ في سبيلِ اللَّهِ مُضَحِّيًا بالنفيسِ والغالِي من نفسِه ومالِه للجهادِ في سبيلِ اللَّهِ لإعلاءِ كلمةِ اللَّهِ (جلَّ وعلا). وهذا معنَى قولِه: ﴿لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤)﴾ [التوبة: آية ٤٤] التقوى في قلوبِ الناسِ لاَ تَخْفَى على اللَّهِ، فَاللَّهُ يعلمُ ما في قلوبِ الناسِ، لا يَخْفَى عليه بَرٌّ مِنْ فَاجِرٍ، ولا مُتَّقٍ من عَاصٍ.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: آية ٢٣٥] ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: آية ١٦] ﴿عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ لاَ يَخْفَى عليه الْمُتَّقِي من العاصِي، فَمَنْ زَعَمَ للنبيِّ أنه معه، وأنه يحبُّ الإسلامَ والجهادَ، إلا أنه معذورٌ بكذا وكذا لأعذارٍ كاذبةٍ فَاللَّهُ عَالِمٌ بكذبِه، عَالِمٌ بِالْمُتَّقِي حقًّا وبغيرِه، لا يَخْفَى عليه شيءٌ من ذلك. وفي هذا تهديدٌ للمنافقينَ الذين يَدَّعُونَ التقوى ويضمرونَ غيرَها، ووعدٌ عظيمٌ للمؤمنينَ الذين تنطوي قلوبُهم على تَقْوَى اللَّهِ حَقًّا. وهذا معنَى قولِه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: آية ٤٤].
﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: آية ٤٥] قد تَقَرَّرَ عندَ جماهيرِ العلماءِ أن (إنما) أداةُ حصرٍ، والصحيحُ أن (إنما) أداةُ حصرٍ كما حَرَّرَهُ علماءُ الأصولِ في مبحثِ (دليلِ الخطابِ) أعنِي (مفهومَ المخالفةِ) والبلاغيونَ في مبحثِ