قال سيبويه: جرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء قولك: اللهمّ اغفر لنا أيتها العصابة، يعنى أنّ هذا جرى على صورة الاستفهام ولا استفهام، كما أن ذلك جرى على صورة النداء ولا نداء.
ومعنى الاستواء: استواؤهما في علم المستفهم عنهما لأنه قد علم أن أحد الأمرين كائن، إمّا الإنذار وإمّا عدمه، ولكن لا بعينه، فكلاهما معلوم بعلم غير معين. وقرئ: (أَأَنْذَرْتَهُمْ) بتحقيق الهمزتين، والتخفيف أعرب وأكثر،....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراد: أنهما كانا للاستفهام عن مستويين فجردا عن الاستفهام، بقي أنهما للمستويين، ولا تكرار لإدخال ((سواء)) عليه، لأن المعنى: أن المستويين في العلم مستويان في عدم النفع، وإنما جردا عن الاستفهام ليقع فاعلاً لسواء، لأن الاستفهام يمنع ذلك لصدارته، ولكونه لأحد الأمرين، والاستواء يقتضي متعدداً، فبالتجريد ارتفع المانعان.
قوله: (قال سيبويه: جرى هذا) قال ابن الحاجب: اعلم أن في كلامهم حملاً لمعانٍ في الأصل، ثم نقلوها إلى معان أخر مع تجريدها عن أصل معناها، وهذا في أبوابٍ منها قولهم: سواءٌ علي أقمت أم قعدت، سؤالٌ عن تعيينٍ مع التسوية بينهما، ثم نقل إلى الخبر بمعنى التسوية من غير سؤال، ومنها: قولهم: يا أيها الرجل، أصله تخصيص المنادى بطلب إقباله عليك، ثم نقل إلى معنى الاختصاص مجرداً عن معنى طلب الإقبال في قولك: أما أنا فأفعل كذا يا أيها الرجل.
قوله: (بعلمٍ غير معين) صح ((معين)) بكسر الياء في نسخة المصنف. لعل المراد أن المستفهم كما إذا استفهم بقوله: أزيدٌ عندك أم عمرو؟ يعلم أن أحدهما عنده، لكن لا يعينه ويطلب منه التعيين، كذلك المستفهم بقوله: أأنذرتهم أم لم تنذرهم يعلم أن أحد الأمرين كائنٌ، ولكن لا يعينه، فيجب التأويل، والقول بأن حرف الاستفهام منسلخٌ عن معنى الطلب إلى الاستواء.