ويحتمل أن يكون من كلا نوعيه وهما الاستعارة والتمثيل. أما الاستعارة فأن تجعل قلوبهم لأن الحق لا ينفذ فيها،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويحتمل أن يكون من كلا نوعيه) لا يخلو لفظه عن اتساع ما، لأنه جعل التمثيل نوعاً من المجاز، وقسيماً للاستعارة. بيانه: أنه إن عنى بالتمثيل ما هو واقعٌ على سبيل التشبيه، بأن يكون وجهه منتزعاً من عدة أمورٍ غير حقيقيةٍ، فهو ليس بمجاز، وإن أراد به الاستعارة التمثيلية، فهو ليس قسيماً للاستعارة، بل هو قسمٌ منها. والأظهر أن يقال: المجاز نوعان: مرسلٌ، واستعارة. والاستعارة نوعان: تمثيليةٌ، وغير تمثيليةٌ، ككونها تخييليةً، أو تحقيقيةً، أو مكنية، والعذر أن الاستعارة التمثيلية غلب عليها اسم التمثيل، ولا يكاد يطلق عليها اسم الاستعارة كما استقرينا من كلامه، منه ما قال في قوله تعالى: (واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا) [آل عمران: ١٠٣]: يجوز أن يكون تمثيلاً لاستظهاره به، ووثوقه بحمايته بامتساك المتدلي من مكانٍ مرتفعٍ بحبلٍ وثيق، وأن يكون استعارة، وبقية الاستعارات يطلق عليها اسم الاستعارة مطلقاً، ونحوه قول أبي الطيب:

فإن تفق الأنام، وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال
وذلك أنهم إذا رأوا أن بعض أنواع الجنس له مزيةٌ على سائر أنواعه يخرجونه من ذلك الجنس ويجعلونه جنساً آخر، كذا ها هنا.
قوله: (فإن تجعل قلوبهم) إلى آخره، شروع في بيان كيفية التشبيه الذي هو واقعٌ في طريق هذه الاستعارة، ليعلم منه كيفية استخراج الاستعارة؛ وذلك أن قوله: ((أن تجعل قلوبهم)) بسبب عدم نفوذ الحق فيها ((كأنها مستوثقٌ منها بالختم)) كقولك في الاستعارة المكنية في قول الهذلي.


الصفحة التالية
Icon