..................................
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: تقريره أن الآية جاريةٌ مجرى السبب الموجب لكون الهدى لا ينفع فيهم، فإن الله تعالى لما أظهر تصميمهم على الكفر بقوله: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) [البقرة: ٦] اتجه لسائلٍ أن يقول: ما بالهم كذلك؟ فأوقع قوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) إلى نهايته جواباً منطوياً على بيان الموجب، وقد بولغ في المعنى حيث جعل الختم على القلوب ليمنع من الفكر في الدلائل المقولة الصرفة، وعلى السمع لئلا تنفذ في القلوب بسببه الدلائل المسموعة، وجعل على البصر الغشاوة لئلا تصل إليها الدلائل المبصرة ليستدلوا بها على وجود منشئها، فسد الطرق عليهم من كل وجه.
أما صاحب ((الانتصاف)) فقد أطنب في هذا المقام، وقال: قد اشتمل كلام الزمخشري على مفاسد:
أحدها: الخروج عن دليل العقل الدال على أن لا موجد إلا الله.
الثانية: محالفة دليل النقل المؤيد له كقوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [الرعد: ١٦]، (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) [فاطر: ٣].
الثالثة: غلطٌ في أن ما يقبح غائباً، وهي قاعدةٌ باطلة.
الرابعة: قالوا: لو كانت أفعال العباد مخلوقةً لله، لما عابها، ولما عاقب عليها بناءً على قاعدة الحسن والقبح، ولم يعلموا أن هذه الملازمة تلزمهم أيضاً، لأنه يقبح شاهداً أن يمكن الإنسان من القبائح والفواحش وهو بمرأًى منه وبمسمعٍ مع قدرته على رده، وهو كإعطاء سيفٍ باترٍ لفاجرٍ يقطع الطريق ويسبي الحريم، وهو قبيحٌ في الشاهد. فإن قالوا: نعم، لكن ذلك لحكمةٍ أستأثر الله تعالى بعلمها، ففرقوا بين الغائب والشاهد، فيقال: ما ذكرتموه إن صلح جواباً كان جواباً عم اعترضتم، فلم لا سلمتم الأمر إلى الله تعالى في أول الأمر؟ والواجب على العبد أن يلاحظ الفرق بين الحركة الاختيارية والاضطرارية فيخرج عن الجبر، ثم يلاحظ الأدلة الدالة على أنه لا خالق إلا الله، فيخرج عن الاعتزال.