ووجه رابع؛ وهو أنهم لما كانوا على القطع والبت ممن لا يؤمن ولا تغنى عنهم الآيات والنذر، ولا تجدى عليهم الألطاف المحصلة ولا المقربة إن أعطوها؛ لم يبق - بعد استحكام العلم بأنه لا طريق إلى أن يؤمنوا طوعا واختياراً - طريق إلى إيمانهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ووجهٌ رابع) تلخيصه: أنهم لما كانوا مصرين على الكفر متمكنين عليه، وما كان الطريق إلى الإيمان سوى القسر والإلجاء، فكنى عن ترك القسر والإلجاء بالختم، وهي من التلويحية: أن قوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) [البقرة: ٧] على زعمه مشعرٌ بأن الله تعالى لم يقسرهم، ولم يلجئهم إلى الإيمان، وترك القسر والإلجاء مشعرٌ بأن القسر والإلجاء مقتضى حالهم؛ لأن الترك إنما كان لئلا ينتقض غرض التكليف، وهو حصول الاختيار للابتلاء، وإلا كان الحق أن يقسر؛ لأنه الطريق إلى إيمانهم. وكون القسر والإلجاء مقتضى حالهم، مشعرٌ بأن الآيات والنذر لا تغني عنهم، والألطاف لا تجدي عليهم، وكون الآيات والألطاف لا تنفعهم مشعرٌ بأن ترامي أمرهم في التصميم أقصى غاياته ومدى نهاياته، فانظر بين الكناية وبين المطلوب بها كم ترى من لوازم وملوحات!
قوله: (ولا تجدي عليهم الألطاف المحصلة ولا المقربة)، قال نجم الدين الزاهدي الخوارزمي في كتاب ((الصفوة)): اللطف في عرف المتكلمين: هو ما يختار عنده المكلف الطاعة تركاً وإتياناً. ثم إن اللطف إذا كان محصلاً للواجب يسمى توفيقاً، وإذا كان محصلاً لترك القبيح يسمى عصمةً، وإذا كان مقرباً من الواجب أو ترك القبيح يسمى لطفاً مقرباً.
قوله: (إن أعطوها) شرط، والجزاء ما دل عليه ما قبله. وقوله: ((لم يبق)) جواب ((لما)) وقوله: ((بأنه لا طريق)) متصلٌ بالعلم، وقوله: ((عبر)) جواب ((إذا)).