في الإيمان. وإذا شهد عليهم بأنهم في أنفسهم على هذه الصفة، فقد انطوى تحت الشهادة عليهم بذلك نفى ما انتحلوا إثباته لأنفسهم على سبيل البت والقطع. ونحوه قوله تعالى: (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها) [المائدة: ٣٧]، هو أبلغ من قولك: وما يخرجون منها. فإن قلت: فلم جاء الإيمان مطلقا في الثاني وهو مقيد في الأوّل؟ قلت: يحتمل أن يراد التقييد ويترك لدلالة المذكور عليه، وأن يراد بالإطلاق أنهم ليسوا من الإيمان في شيء قط، لا من الإيمان باللَّه وباليوم الآخر،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حصولهما أدعى لرفع المخالفة، فكان اختصاصهما أهم من غيرهما. ألا ترى إلى قول الفقهاء: الفلسفي إذا قال: أشهد أن الباري علة الموجودات أو مبدؤها أو سببها، ولم يكن ذلك إيماناً حتى يقر بأنه مخترع ما سواه ومحدثه بعد أن لم يكن. ذكره شارح ((اللباب)).
وأما تشبيه التركيب بقوله: (يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ ومَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا) [المائدة: ٣٧] فصحيحٌ، ولكن لا يتم به غرضه، وذلك أن قوله: (آمَنَّا) نحو: (يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا) وأن قوله: (وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) نحو قوله: (ومَا هُم بِخَارِجِينَ) ولكن قوله: (ومَا هُم بِخَارِجِينَ) نصٌّ في الاختصاص كما سيأتي بيانه في موضعه.
قوله: (ما انتحلوا)، الأساس: قال شعراً فنحله غيره، وانتحل شعر غيره: إذا ادعاه لنفسه.
قوله: (يحتمل أن يراد التقييد) حاصل الجواب: إنما حذف المفعول لدلالة المذكور عليه، أو حذف لتعم الفائدة، ولئلا يقصره السامع على ما يذكر معه، ويحتمل أن ينزل منزلة اللازم نحو: فلانٌ يعطي ويمنع.
قوله: (قط)، الجوهري: إذا كانت بمعنى ((حسب)) وهو الاكتفاء فهي مفتوحةٌ ساكنةٌ الطاء، تقول: رأيته مرةً واحدةً فقط، وقط بضم الطاء معناها الزمان، يقال: ما رأيته قط.


الصفحة التالية
Icon