ممن يصح خداعه لأن من كان ادعاؤه الإيمان باللَّه نفاقا لم يكن عارفا باللَّه ولا بصفاته، ولا أن لذاته تعلقا بكل معلوم، ولا أنه غنى عن فعل القبائح فلم يبعد من مثله تجويز أن يكون اللَّه في زعمه مخدوعا ومصابا بالمكروه من وجه خفى، وتجويز أن يدلس على عباده ويخدعهم. والثالث: أن يذكر اللَّه تعالى ويراد الرسول صلى اللَّه عليه وسلم لأنه خليفته في أرضه، والناطق عنه بأوامره ونواهيه مع عباده، كما يقال:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لم يكن عارفاً بالله ولا بصفاته) إلى آخره، مبنيٌّ على صيغة الجمع مع التفريق والتقسيم، فجمع ذات الله العليا وصفاته الحسنى في: ((لم يكن عارفاً بالله ولا بصفاته))، وأما التفريق فهو قوله: ((ولا أن لذاته)) أي: أنهم لم يعلموا أنه من حيث ذاته له تعلقٌّ بكل معلومٍ جزئيٍّ وكلي، وقوله: ((ولا أنه غنيّ)) أي: لم يعلموا أنه من حيث صفاته غنيٌّ عن القبائح.
وأما التقسيم فهو قوله: ((فلم يبعد من مثله تجويز أن يكون الله في زعمه مخدوعاً ومصاباً بالمكروه من وجهٍ خفيٍّ)) أي: أنهم حين لم يعلموا أن لذاته تعلقاً بكل معلومٍ، زعموا أنه ممن يخدع.
وقوله: (وتجويز أن يدلس على عباده ويخدعهم) أي: حين لم يعلموا أنه من حيث صفاته غنيٌّ عن القبائح، حوزوا أنه ممن يَخدع.
الانتصاف: قوله: ((عالمٌ لذاته)) والصواب أنه عالمٌ بعلمٍ عام التعلق بجميع المعلومات، ثم إنه تعالى لما كان عالماً بعلمٍ عام التعلق استحال كونه مخدوعاً، ولما أنه لا يقع في الوجود شيءٌ إلا بقدرته، يمتنع أن يكون خادعاً لما فيه من الإشعار بالعجز عن المكافحة، لكن لما جاء في مقابلة خداع المنافقين صار كقوله: (ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ) [آل عمران: ٥٤].
قوله: (أن يدلس) المدلس: هو الذي يظهر خلاف مراده، ومنه أخذ التدليس في الحديث، لأن الراوي يوهم السماع ممن لم يسمع منه.