والفساد: خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعا به، ونقيضه الصلاح، وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة. والفساد في الأرض: هيج الحروب والفتن، لأن في ذلك فساد ما في الأرض وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس والزروع والمنافع الدينية والدنيوية. قال اللَّه تعالى: (وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ) [البقرة: ٢٠٥]، (أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ) [البقرة: ٣٠]. ومنه قيل لحرب كانت بين طيء: حرب الفساد. وكان فساد المنافقين في الأرض. أنهم كانوا يمايلون الكفار ويمالئونهم على المسلمين بإفشاء أسرارهم إليهم وإغرائهم عليهم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لأن المصراع الأول في البيت الأول مستقلٌ بنفسه بخلافه في الثاني، وأيضاً إذا ترتب إيجاب العذاب على الكذب وحده، ليكون سبباً مستقلاًّ، واستوجب هذا القول عذاباً آخر أفظع منه؛ لإطلاقه، كان أبسط للكلام وأشرح له لا سيما المقام يقتضي الإطناب.
قوله: (لأن في ذلك فساد ما في الأرض) تعليلٌ لتسمية هيج الفتن بالفساد؛ لأن هيج الفتن سببٌ لانتفاء استقامة أحوال الناس من سفك الدماء وهلاك الزروع، وممالأة المنافقين الكفار على المسلمين سببٌ لهيج الحروب كما قال، فتكون الممالأة سبباً بعيداً، وأما قوله تعالى: (وإذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ) [البقرة: ٢٠٥] فهو إشارةٌ إلى هيج الحروب والفتن، وقوله: (ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ) [البقرة: ٢٠٥] إشارةٌ إلى فساد أحوال الناس والزروع.
وقوله: (حرب الفساد) قيل: سمى هذا الحرب به؛ لأنهم مثلوا فيها بأنواع المثل؛ جدعوا الأنوف وصلموا الآذان.
قوله: (يمالئونهم)، النهاية: في حديث عمر رضي الله عنه: ((لو تمالأ عليه أهل صنعاء لأقدتهم به))، أي: تساعدوا واجتمعوا وتعاونوا، ومنه حديث عليٍّ رضي الله عنه: والله ما قتلت عثمان، ولا مالأت على قتله، أي: ما ساعدت ولا عاونت.