لأنهم عندهم أعرق الناس في السفه. فإن قلت: لم سفهوهم واستركوا عقولهم، وهم العقلاء المراجيح؟ قلت: لأنهم لجهلهم وإخلالهم بالنظر وإنصاف أنفسهم، اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق وأن ما عداه باطل، ومن ركب متن الباطل كان سفيها ولأنهم كانوا في رياسة وسطة في قومهم ويسار، وكان أكثر المؤمنين فقراء ومنهم موال كصهيب وبلال وخباب، فدعوهم سفهاء تحقيرا لشأنهم. أو أرادوا عبد اللَّه بن سلام وأشياعه ومفارقتهم دينهم وما غاطهم من إسلامهم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أعرق الناس في السفه)، الأساس: فلانٌ معرقٌ في الكرم واللؤم، وهو عريق فيه، وفلانٌ يعارق صاحبه: يفاخره بعرقه، واعترقت الشجرة: ضربت بعروقها.
قوله: (استركوا عقولهم) أي: عدوا عقولهم ركيكةً.
قوله: (المراجيح) جمع مرجاح، وهو الذي له رزانة العقل ورصانته. قال في ((الأساس)): ومن المجاز: رجلٌ راجح العقل، وقومٌ مراجيح الحلم.
قوله: (لأنهم لجهلهم) هذا الجواب مبنيٌّ على أن اللام في ((السفهاء)) للجنس، وقوله: ((ولأنهم كانوا في رئاسةٍ)) على أن اللام للعهد. والمراد به رسول الله ﷺ وأصحابه. وقوله: ((أو عبد الله بن سلام)) عطفٌ على قوله: ((ولأنهم كانوا في رئاسةٍ)) فاللام للعهد أيضاً.
المعنى: أرادوا رسول الله ﷺ وأصحابه لأنهم كانوا في رئاسةٍ، أو أرادوا عبد الله بن سلام، فرجع معنى نسبتهم السفهاء على أن اللام للجنس إلى أن ما هم فيه هو الحق، وأن ما عداه هو الباطل؛ لعموم ((من)) في قوله: ((ومن ركب متن الباطل كان سفيهاً)) فيدخل فيه النبي ﷺ وأصحابه، وعبد الله وأشياعه، ورجع على تقدير العهد: إما إلى أن اليسار والرئاسة هو الرشد، والفقر والعدم هو السفه. هذا بالنسبة إلى النبي ﷺ وأصحابه، وإما إلى أن من ثبت على دينهم هو الرشيد، ومن فارقه هو السفيه هذا بالنسبة إلى عبد الله وأشياعه.