وفت في أعضادهم. قالوا ذلك على سبيل التجلد توقياً من الشماتة بهم مع علمهم أنهم من السفه بمعزل، والسفه سخافة العقل وخفة الحلم. فان قلت: فلم فصلت هذه الآية بـ: (لا يَعْلَمُونَ)، والتي قبلها ب: (لا يَشْعُرُونَ)؟ قلت: لأن أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحقّ وهم على الباطل، يحتاج إلى نظر واستدلال حتى يكتسب الناظر المعرفة، وأما النفاق وما فيه من البغي المؤدّى إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر دنيوىّ مبنى على العادات، معلوم عند الناس، خصوصا عند العرب في جاهليتهم وما كان قائما بينهم من التغاور والتناحر والتحارب والتحازب، فهو كالمحسوس المشاهد؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفت في أعضادهم)، الأساس: وفت في عضده: إذا كسر قوته، وفرق عنه أعوانه.
قوله: (لم فصلت) التفصيل من الفاصل كالتقفية من القافية. وفصلت الآية إذا جعل لها فاصلة. وهذا مما يقوي مذهبنا في الخطبة في قوله: ((فصله سوراً وسورة آيات)).
قوله: (من التغاور والتناحر)، الأساس: صبحتهم الغارة، وبينهم التغاور والتناحر، وانتحروا على الأمر، وتناحروا عليه: تشاجروا، وحزب قومه فتحزبوا، أي: صاروا طوائف، وفلانٌ يحازب فلاناً: ينصره ويعاونه، وإنما قال: كالمحسوس، لأن المذكورات معانٍ لكن أماراتها ظهرت ظهور المحسوس.
قوله: (فهو كالمحسوس) قيل: دخول الفاء فيه: إما لتضمن المبتدأ وهو قوله: ((وما كان قائماً)) معنى الشرط، وإما للعطف على قوله: ((وأما النفاق)) إلى آخره. ثم إن قوله: ((وإما النفاق)) إلى قوله: ((في جاهليتهم)) تفسيرٌ للآية الأولى من الآيتين المفصلتين ب ((لا يشعرون))، وقوله: ((وما كان قائماً)) إلى قوله: ((كالمحسوس المشاهد)) للآية الثانية فتدبر.
وقلت: والتحقيق فيه أن قوله: ((وما فيه من البغي)) عطفٌ تفسيريٌّ على ((النفاق))