(إِنَّا مَعَكُمْ) إنا مصاحبوكم وموافقوكم على دينكم. فإن قلت: لم كانت مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعلية، وشياطينهم بالاسمية محققة بأن؟ قلت: ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديراً بأقوى الكلامين وأوكدهما، لأنهم في ادّعاء حدوث الإيمان منهم ونشئه من قبلهم، لا في ادعاء أنهم أوحديون في الإيمان غير مشقوق فيه غبارهم، وذلك إما لأنّ أنفسهم لا تساعدهم عليه، إذ ليس لهم من عقائدهم باعث ومحرّك، وهكذا كل قول لم يصدر عن أريحية وصدق رغبة واعتقاد. وإما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التوكيد والمبالغة. وكيف يقولونه ويطمعون في رواجه وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار الذين مثلهم في التوراة والإنجيل؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أريحية)، الجوهري: الأريحي: الواسع الخلق. قال في ((النهاية)): رجلٌ أريحيٌّ إذا كان سخيًّا يرتاح للندى ويحبه.
قوله: (لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التوكيد) يشهد بذلك أنهم لما قالوا: (نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) [المنافقون: ١] على سبيل التوكيد أجيبوا بقوله: (واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) [المنافقون: ١] أي: فيما ادعوا أن تلك الشهادة من صميم قلوبهم.
قوله: (ظهراني المهاجرين)، النهاية: في قوله: فأقاموا بين ظهرانيهم، أي: أقاموا بينهم على سبيل الاستظهار والاستناد إليهم، وزيدت فيه ألفٌ ونونٌ مفتوحةٌ تأكيداً، ومعناه: أن ظهراً منهم قدامه، وظهراً وراءه، فهو مكنوفٌ من جانبيه، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقاً.
قوله: (الذين مثلهم في التوراة والإنجيل) يعني أن الله تعالى مدحهم في هذين الكتابين على لسان ذينك الرسولين بهذه الأوصاف التي دلت على رجاحة عقولهم وشدة ذكائهم وصلابتهم في دين الله، ومن ثم علل التمثيل بقوله: (لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ) [الفتح: ٢٩] فكيف تروج عندهم تصلفاتهم.


الصفحة التالية
Icon