وقوله: (إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ) ردّ للإسلام ودفع له منهم، لأن المستهزئ بالشيء المستخف به منكر له ودافع لكونه معتدا به، ودفع نقيض الشيء تأكيد لثباته أو بدل منه، لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر. أو استئناف، كأنهم اعترضوا عليهم حين قالوا لهم: (إِنَّا مَعَكُمْ)، فقالوا: فما بالكم إن صح أنكم معنا توافقون أهل الإسلام فقالوا: (إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ). والاستهزاء: السخرية والاستخفاف،.........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وثانيهما: إنا مصاحبوكم في دينكم، لا نفارقكم لاحترامكم؛ لأن من توخى تعظيم الشيء لا يفارقه، فحينئذٍ يستقيم بيانه وتفسيره بقوله: (إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ)؛ لأن مَنْ وضع مِن مقدار العدو وحقر شأنه، فقد عظم قدر وليه، فكان قوله: (إنَّا مَعَكُمْ) كالتوطئة؛ لأن من حق الظاهر أن يقولوا لأصحابهم: (إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) بعد قولهم للمؤمنين: (آمَنَّا) والفرق: أنه جعل الجملة الثانية في تأويل الأولى في الأول ليصح التوكيد، وبالعكس في الثاني ليستقيم التفسير، هذا على تقدير أن يكون بدل الكل تفسيراً للمبدل كما سبق في ((الفاتحة)). ويجوز أن يقال: إن قوله: (إنَّا مَعَكُمْ) دل على تعظيم الكفر، وقوله: (إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) دل على تحقير الإسلام، ولزم من مفهومه تعظيم الكفر كما قال المصنف ((لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر)) فقد اشتمل الثاني على معنى الأول مع الزيادة. والفرق بين هذا الوجه وبين الأول، وهو كونه تأكيداً أو تفسيراً: أنه اعتبر في الأول مفهوم الثاني، لتقرير المعنى الأول، واعتبر في هذه العبارة والمفهوم معاً، ولا بعد فيه؛ لأن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة.
وثالثها: إنا موافقوكم وموالوكم، فإن هذا القول يحمل أصحابهم لأن ينكروا عليهم ويقولوا: إن صح أنكم معنا فما بالكم توافقون أهل الإسلام في الإيمان؟ فقالوا: (إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) يعني نظهر لهم الموافقة على دينهم لنقف على أسرارهم ونأخذ من أموالهم وغنائمهم.
قوله: (والاستهزاء: السخرية)، الراغب: الاستهزاء: ارتياد الهزء، وإن كان قد يعبر به


الصفحة التالية
Icon