وأصل الباب الخفة من الهزء؛ وهو القتل السريع. وهزأ يهزأ: مات على المكان. عن بعض العرب: مشيت فغلبت فظننت لأهز أنّ على مكاني. وناقته تهزأ به: أى تسرع وتخف. فإن قلت: لا يجوز الاستهزاء على اللَّه تعالى، لأنه متعال عن القبيح، والسخرية من باب العيب والجهل. ألا ترى إلى قوله: (قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ)، فما معنى استهزائه بهم؟ قلت: معناه إنزال الهوان والحقارة بهم، لأنّ المستهزئ غرضه الذي يرميه هو طلب الخفة والزراية ممن يهزأ به، وإدخال الهوان والحقارة عليه، والاشتقاق -كما ذكرنا- شاهد لذلك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن تعاطي الهزء كالاستجابة في كونها ارتياداً للإجابة وإن كان قد يجري مجرى الإجابة.
قوله: (فلغبت)، الجوهري: اللغوب: الإعياء، تقول منه: لغب يلغب بالضم لغوباً ولغبت بالكسر لغةٌ ضعيفة.
قوله: (لأن المستهزئ غرضه الذي يرميه هو طلب الخفة) فيه إشارةٌ إلى ما سبق من القانون في (غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: ٧] فالاستهزاء من المخلوق: الفعل الذي يصدر من الجاهل عبثاً، وغرضه فيه طلب هوان المستهزأ به، فيحمل ها هنا على المعنى الثاني دون الأول، وهو من باب إطلاق السبب على المسبب، ثم في قوله: ((غرضه)) مع قوله ((يرميه)) رعاية التناسب، فإن الرامي يرمي الغرض، أي: الهدف.
قوله: (والزراية بمن يهزأ به) قيل: الزراية تعدى ب ((على))، وإنما عدي هنا بالباء لتضمنه معنى استخف. الأساس: أزريت به: قصرت به وحقرته، وزريت عليه فعله: عبته وعنفته.
قوله: (والاشتقاق كما ذكرنا) وهو قوله: ((أصل الباب الخفة من الهزء)).


الصفحة التالية
Icon