وقد كثر التهكم في كلام اللَّه تعالى بالكفرة. والمراد به تحقير شأنهم وازدراء أمرهم، والدلالة على أن مذاهبهم حقيقة بأن يسخر منها الساخرون ويضحك الضاحكون. ويجوز أن يراد به ما مر في: (يُخادِعُونَ) من أنه يجرى عليهم أحكام المسلمين في الظاهر، وهو مبطن بادخار ما يراد بهم، وقيل: سمى جزاء الاستهزاء باسمه كقوله: (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) [الشورى: ٤٠]، (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) [البقرة: ١٩٤].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقد كثر التهكم)، النهاية: في حديث أسامة: ((فخرجت في أثر رجلٍ منهم جعل يتهكم بي))، أي: يستهزئ ويستخف.
قوله: (والدلالة على أن مذاهبهم) إلى آخره، يعني: أن الاستهزاء مما يذم من الأخلاق، وكاد أن يكون حراماً، فلا يجوز إسناده إلى أدون الخلق، فإسناده إلى الله تعالى لإيذانٌٌ بالمبالغة في ذم مذهبهم. المعنى: أن مذهبهم مكان الاستهزاء وموقعه، وحقيقٌ على كل عالمٍ كاملٍ أن يوقع الاستهزاء فيه، فإنه قد أذن الله فيه، وندب إليه.
قوله: (ما مر في (يُخَادِعُونَ)) أي: في الوجه الأول م الوجوه المذكورة فيه، وذلك بأن شبه صورة صنع الله معهم حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم بصورة صنع الخادع، كذلك شبه صورة صنع الله من إجراء أحكام المسلمين عليهم في الظاهر- وهو مبطنٌ بادخار العذاب- صورة صنع الهازئ مع المهزوء به، وهو من الاستعارة التبعية.
قوله: (وهو مبطنٌ) الضمير فيه لقوله: ((إجراء للأحكام))، المدلول عليه بقوله: ((يجرى)) قيل: ثوبٌ مبطنٌ بالقطن إذا كان حشوه قطناً. المعنى: أجرى عليهم أحكام المسلمين من الموارثة والمناكحة وغيرهما، وفي ضمن هذا ما يراد بهم من العذاب والهوان، كما أنك إذا أحسنت إلى صاحبك وفي ضمنه ما يورث الهوان، فإنه إذا وقف على فعلك قال لك: أتسخر مني وتستهزئ بي.