ومن حق مفسر كتاب اللَّه الباهر وكلامه المعجز، أن يتعاهد في مذاهبه بقاء النظم على حسنه والبلاغة على كمالها وما وقع به التحدّى سليما من القادح، فإذا لم يتعاهد أوضاع اللغة فهو من تعاهد النظم والبلاغة على مراحل. ويعضد ما قلناه قول الحسن في تفسيره: في ضلالتهم يتمادون، وأن هؤلاء من أهل الطبع. والطغيان: الغلو في الكفر، ومجاوزة الحدّ في العتوّ. وقرأ زيد بن على رضى اللَّه عنه: (في طغيانهم) بالكسر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويعضد ما قلناه قول الحسن) فإنه فسر ((نمدهم)) بقوله: في ضلالتهم يتمادون. وقال: ((إن هؤلاء من أهل الطبع)) لأن الطبع يحصل من تزايد الرين وترادف ما يزيد في الكفر، فيكون من المدد لا من الإمهال. ويروى: ((وأن هؤلاء)) بفتح ((أن)) فيكون عطفاً على قول الحسن ودليلاً آخر، ويمكن أن يقال: إن معنى ((يتمادون)) يبلغون المدى والغاية في الضلال، وهي بالإمهال أليق، ويكون الطبع مسبباً عنه؛ لأن الإمهال في الكفر يتمادى إلى الطبع، قال الله تعالى: (فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) [الحديد: ١٦].
قوله: (والطغيان: الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتو).
الراغب: يقال: طغا يطغو ويطغى. وحكي: طغيت. والفرق بين عدا وطغى وبغى: أن العدوان تجاوز المقدار المأمور بالانتهاء إليه والوقوف عنده، وعلى ذلك قال: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) [البقرة: ١٩٤] أي: تجاوز معكم المقدار المأمور بالانتهاء إليه فتجاوزوا معه بقدره، لتكون العدالة محفوظةً في المجازاة، وأما الطغيان فتجاوز المكان الذي وقفت فيه، ومن أخل بما عين له من المواقف الشرعية والمعارف العقلية فلم يرعها فيما يتحراه ويتعاطاه، فقد طغى، وعلى ذلك: (لَمَّا طَغَا المَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الجَارِيَةِ) [الحاقة: ١١] أي: تجاوز الحد الذي كان عليه من قبل، والبغي: طلب تجاوز قدر الاستحقاق، تجاوزه أم


الصفحة التالية
Icon