والعمه: مثل العمى، إلا أن العمى عامّ في البصر والرأى، والعمه في الرأى خاصة، وهو التحير والتردّد، لا يدرى أين يتوجه. ومنه قوله:
أعمى الهدى بالجاهلين العمه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأن الإسناد إذا جعل مجازيًّا يشترط فيه أن يكون بين الفاعل الحقيقي وغير الحقيقي تعلق شبهٍ، وإلا لم يصح، لكن له شغفٌ بنضرة مذهبه، وأيضاً إسناد الطغيان إليهم لا ينافي مذهب أهل الحق؛ لأن فعل العبد يستند إلى الله تعالى خلقاً وتقديراً، ويضاف إلى العبد اقترافاً وكسباً. فمعنى الإضافة إرادة الطغيان الذي عرف صدوره عنهم ونظيره: (وسَعَى لَهَا سَعْيَهَا) [الإسراء: ١٩]، وأن الغي في قوله: (يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ) [الأعراف: ٢٠٢] مقيد بالتعريف فهو مثل الإضافة؛ لأنه إنما يصح المدد في أمرٍ ثابت.
الانتصاف: فعل العبد الاختياري له اعتباران: أحدهما: وجوده وحدوثه، وما هو عليه من وجوه التخصيص، وذلك منسوبٌ إلى القدرة والإرادة. والثاني: تميزه عن القسري الضروري، وهو منسوبٌ من هذه الجهة إلى العبد، وهو الكسب المراد في مثل قوله تعالى: (فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) [الشورى: ٣٠] فمدهم في الطغيان مخلوقٌ لله تعالى، فأضافه إليه، ومن حيث كونه واقعاً على وجه الاختيار، وهو الكسب أضافه إليهم.
قوله: (لا يدري أين يتوجه) وهو استئنافٌ على سبيل البيان لقوله: ((وهو التحير والتردد)) والتردد يستعمل مجازاً في التحير. الأساس: ومن المجاز: رجلٌ مترددٌ حائرٌ بائر.
قوله: (بالجاهلين العمه) تمامه:
| ومهمهٍ أطرافه في مهمهِ | أعمى الهدى بالجاهلين العُمَّهِ |