قلت: هذا من الصنعة البديعة التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا، وهو أن تساق كلمة مساق المجاز، ثم تقفى بأشكال لها وأخوات، إذا تلاحقن لم تر كلاما أحسن منه ديباجة وأكثر ماء ورونقا، وهو المجاز المرشح. وذلك نحو قول العرب في البليد: (كأن أذني قلبه خطلاوان)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من الصنعة البديعة) أي: الغريبة المستحسنة التي يتوخى بها تزيين الكلام، ويتحرى بها حسن النظام، وتسمى بالتتميم، وهو تابعٌ يفيد الكلام مبالغةً وإليه أشار بقوله: ((وأتبعه ما يشاكله)) إلى قوله: ((ويتم بانضمامه إليه تمثيلاً)) والترشيح وإن كان يبحث عنه في البيان لكنه من المستحسنات البديعية لا من الدلالات الالتزامية، ولهذا قال: ((لم تر كلاماً أحسن ديباجةً، وأكثر ماءً ورونقاً منه)) على أن الصنعة البديعية قد تطلق على مجموع المعاني والبيان والبديع؛ تسميةً الشيء باسم أشهر أقسامه.
قوله: (أحسن [منه] ديباجةً) الديباج: فارسيٌّ معرب. الأساس: ومن المجاز: دبج المطر الأرض يدبجها بالضم دبجاً، ودبجها زينها بالرياض، ولهذه القصيدة ديباجةٌ حسنةٌ، إذا كانت محبرة.
قوله: (خطلاوان)، الجوهري: أذنٌ خطلاء بينة الخطل، أي: مسترخية. ومنه سمي الأخطل الشاعر.


الصفحة التالية
Icon