جعلوه كالحمار، ثم رشحوا ذلك روما لتحقيق البلادة، فادعوا لقلبه أذنين، وادعوا لهما الخطل، ليمثلوا البلادة تمثيلا يلحقها ببلادة الحمار مشاهدة معاينة. ونحوه:

ولَما رَأَيْتُ النَّسْرَ عَزَّ ابْنَ دَايَةٍ وعَشَّشَ في وَكْرَيْهِ جَاشَ لهُ صَدْرِى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (جعلوه) أي: البليد كالحمار، ظاهره يؤذن بأن المشبه الشخص، وإنما المشبه قلبه، لكن في الحقيقة يعود المعنى إليه، فلذلك قال: ((جعلوه كالحمار)). وإنما ذكر القلب وأريد الشخص؛ لأن القلب محل الفهم والذكاء، والاستعارة التي في الأذن تخييلية، وفي القلب مكنية؛ شبه قلبه بالحمار في البلادة تشبيهاً بليغاً، ثم أخذ الوهم في تصويره بصورة الحمار بعينه واختراع ما يلازم صورته من الأذنين، ثم أطلق على ذلك المخترع المتوهم اسم المحقق، وإليه الإشارة بقوله: ((فادعوا لقلبه أذنين))، وجعلت القرينة إضافتهما إلى القلب، وقوله: ((خطلاوان)) ترشيحٌ لهذه الاستعارة؛ لأن ذكر الخطل متفرعٌ على إثبات الأذنين المستعارتين، وإليه الإشارة بقوله: ((وادعوا لهما الخطل))، تقدير الكلام: أذنا قلبه كأنهما خطلاوان. والفاء في ((فادعوا)) مثلها في قوله تعالى: (فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [البقرة: ٥٤] لأن قوله: ((فادعوا)) إلى آخره عين قوله: ((جعلوه كالحمار)) كما أن القتل عين التوبة، أي: عزموا على جعله كالحمار فادعوا.
قوله: (مشاهدةً معاينةً) حالان مترادفتان، أو متداخلتان، كقولك للمسافر: راشداً مهديًّا.
قوله: (ولما رأيت النسر) البيت، النسر: طائرٌ يوصف بطول العمر. عز: غلب. وابن دأيةً: الغراب، الجوهري: دأية البعير: ما يقع عليه ظلفة الرحل فتعقره، ومنه قيل للغراب: ابن دأية.


الصفحة التالية
Icon