ويحتمل أن تكون غير متعدية مسندة إلى (ما حوله). والتأنيث للحمل على المعنى لأنّ ما حول المستوقد أماكن وأشياء. ويعضده قراءة ابن أبى عبلة (ضاءت). وفيه وجه آخر، وهو أن يستتر في الفعل ضمير النار. ويجعل إشراق ضوء النار حوله بمنزلة إشراق النار نفسها، على أنّ ما مزيدة أو موصولة في معنى الأمكنة. و (حَوْلَهُ) نصب على الظرف وتأليفه للدوران والإطافة. وقيل للعام: حول لأنه يدور. فإن قلت: أين جواب لما؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما أن جوابه ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ. والثاني: أنه محذوف كما حذف في قوله: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ). وإنما جاز حذفه لاستطالة الكلام مع أمن الإلباس للدالّ عليه، وكان الحذف أولى من الإثبات لما فيه من الوجازة، مع الإعراب عن الصفة التي حصل عليها المستوقد بما هو أبلغ من اللفظ في أداء المعنى، كأنه قيل: فلما أضاءت ما حوله خمدت.....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا هي نفسها لكن يجعل إشراق ضوء النار بمنزلة إشراق النار في نفسها؛ لأن ضوء النار لما كان محيطا بالمستوقد مشرقا فيما حوله غاية الإشراق، أسند الفعل إلى النار نفسها إسنادًا للفعل إلى الأصل كقولهم: بنى الأمير للمدينة.
قوله: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ) [يوسف: ١٥] وجوابه المحذوف: فعلوا به ما فعلوا من الأذى.
قوله: (بما هو أبلغ من اللفظ في أداء المعنى) يعني لو صرح بالجواب على ما يقتضيه حال مستوقد نار أضاءت ما حوله، أوهم أن ذلك محصور، ولما حذف أشعر بأن الأمر بلغ من الفظاعة والشدة إلى ما لا يدخل تحت الوصف، وهذا من السحر البياني، لأنه آذن بأن الإيجاز استقل بمعانٍ لا يستقلها الإطناب، لكن في كلامه تسامح، لأنه قدر المحذوف ما لو صرح به لما اجتزئ به، فيجب أن يقدر بعد قوله: "بعد الكدح في إحياء النار" وغير ذلك مما لا يدخل تحت الوصف كما قال في قوله تعالى: (حَتَّى إذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) [الزمر: ٧٣]: حذف جواب "إذا"، لأنه في صفة ثواب أهل الجنة، فدل بحذفه على أنه شيء لا يحيط به الوصف.