فبقوا خابطين في ظلام، متحيرين متحسرين على فوت الضوء، خائبين بعد الكدح في إحياء النار. فإن قلت: فإذا قدّر الجواب محذوفا فبم يتعلق (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)؟ قلت: يكون كلاما مستأنفاً. كأنهم لما شبهت حالهم بحال المستوقد الذي طفئت ناره،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وللواحدي في هذا المقام كلام حسن، فلابد من التعرض له، قال: مثل هؤلاء المنافقين لما أظهروا كلمة الإيمان، واستناروا بنورها، واعتزوا بعزها، وآمنوا، فناكحوا المسلمين ووارثوهم، وأمنوا على أموالهم وأولادهم، فلما ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف وبقوا في العذاب، كمثل رجل أوقد نارًا في ليلة مظلمة في مفازة فاستضاء بها واستدفأ ورأى ما حوله فاتقى ما يحذر ويخاف وأمن، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، فبقي مظلما خائفا متحيرا. فمعنى إذهاب الله نور المنافقين هو أن يسلبهم ما أعطوا من النور مع المؤمنين في الآخرة، وكان من حق ظاهر النظم أن يكون اللفظ: "فلما أضاءت ما حوله أطفأ الله ناره"، ليشاكل جواب "لما" معنى هذه القصة. ولما كان إطفاء النار مثلا لإذهاب نورهم أقيم إذهاب النور مقام الإطفاء، وجعل جواب "لما" اختصارًا وإيجازًا.
وقلت: على هذا التقدير في هذا التمثيل إيجازان: أحدهما: إيجاز في الشطر الأول من الممثل له، وهو مثل هؤلاء المنافقين لما أظهروا كلمة الإيمان، واستناروا بنورها واعتزوا بعزها، وآمنوا فناكحوا المسلمين ووارثوا وأمنوا على أموالهم وأولادهم حيث اقتصر على قوله: (مَثَلُهُمْ) لدلالة الشطر الأول من الممثل به عليه وهو قوله: (كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ) [البقرة: ١٧]. وثانيهما: إيجاز في الشطر الثاني من الممثل به وهو قوله: فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره فبقى مظلمًا خائفًا متحيرًا، حيث لم يذكر منه شيئًا، واكتفى بذكر الشطر الثاني من الممثل له وهو قوله: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ) [البقرة: ١٧].
قوله: (بعد الكدح) مستفاد من السين في قوله: (اسْتَوْقَدَ نَارًا).


الصفحة التالية
Icon