قلت: هذا على مذهب قولهم: للباطل صولة ثم يضمحل. ولريح الضلالة عصفة ثم تخفت، ونار العرفج مثل لنزوة كل طماح. والفرق بين أذهبه وذهب به:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(أَضَاءَتْ) فالمناسب أن يقال: بضوئهم، ليكون من باب رد العجز على الصدر، وأجاب عنه بأن مراعاة تلك النكتة- وهي إزالة النور بالكلية- اقتضت المخالفة، ثم سأل ثانيا على الإنكار: "فلم وصفت بالإضاءة؟ " يعني إذا كان الغرض إزالة النور بالكلية، وأنه لو قيل: ذهب الله بضوئهم، لم يحصل الغرض، فما الذي استدعى وصف النار بالإضاءة دون الإنارة، إذ لو قيل: فلما أنارت ما حوله لحصل المقصود أيضًا وتجاوب النظم؟ وأجاب بما معناه: أنه أدمج في الكلام معنى الباطل، وتحريره: أن سياق الكلام كان في إثبات ضوء أو نور كيف ما كان، ثم إزالته ليحصل غرض التمثيل، ففي إيراده على هذه الطريقة إشعار بمعنى البطلان أيضًا، فإنه ثبت عند ذوي البصائر وأرباب النهى قوة ظهور الباطل في بدء الحال ثم اضمحلاله سريعًا في المآل، فقيل: (فَلَمَّا أَضَاءَتْ) ليثبت أولاً الإفراط في إشراق النار ثم (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) ليثبت التفريط فيه ثانيًا، ليكون على وزان قولهم: للباطل صولة ثم يضمحل. وفي هذا التقرير إيذان بأن الواجب أن يحمل التنكير في قوله: (اسْتَوْقَدَ نَارًا) على التعظيم والتهويل، وأن يجعل الإسناد في "أضاءت" للنار على المجاز، كما سبق.
قوله: (ونار العرفج مثل لنزوة كل طماح) أي: هذا اللفظ وهو نار العرفج، علم لهذا المعنى وقد أسلفنا أن حقيقة المثل: ما جعل علما للتشبيه لحال الأول، فإن نار العرفج علم لحال من تراه يخوض في أمر مع شرهٍ قويٍّ، ثم تراه ينخفض عنه سريعًا. والعرفج: شجر ينبت في السهل، الواحدة عرفجة. والنزوة: الطفرة، ومنه: نزا الذكر على الأنثى، والطماح: الشره.
قوله: (والفرق بين أذهبه وذهب به) وقد ذهب إلى هذا الفرق أبو العباس المبرد، ذكره الحريري في "درة الغواص". قال صاحب "المثل السائر": كل من ذهب بشيء فقد أذهبه،


الصفحة التالية
Icon