من (لا يبصرون) من قبيل المتروك المطرح الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال، لا من قبيل المقدر المنوي، كأنّ الفعل غير متعدّ أصلا، نحو (يَعْمَهُونَ) في قوله: (وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) [الأنعام: ١١٠]. فإن قلت: فيم شبهت حالهم بحال المستوقد؟ قلت: في أنهم غب الإضاءة خبطوا في ظلمة وتورّطوا في حيرة. فان قلت:
وأين الإضاءة في حال المنافق؟ وهل هو أبداً إلا حائر خابط في ظلماء الكفر؟ قلت: المراد ما استضاءوا به قليلا من الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فيم شبهت حالهم بحال المستوقد) والذي عليه المعنيون بشأن هذا الكتاب: أن السؤال عن وجه التشبيه؛ قالوا: المعنى ما وجه التشبيه؟ ثم بين الوجه من ثلاثة أوجه، ولما ذكر الوجه الأول من تلك الوجوه، أورد سؤالاً وأجاب عنه، ثم شرع في الوجهين الأخيرين فتدبر، وقالوا: إن الضمير في "أنهم غب الإضاءة" للمستوقدين، والذي نذهب إليه: أن السؤال عن المشبه، ومورده قوله السابق: إنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد، وأن الضمير للمنافقين، وإن كان ظاهر اللفظ يشعر بأن السؤال عن الوجه فافهم، فإن هذا المقام من مزال الأقدام. فإذن المعنى: في أي حال من أحوال المنافقين وقع التشبيه بحال المستوقد؟ فإن حالات المنافقين فيها كثيرة كما سبقت من ابتداء ذكرهم إلى أن انتهت إلى ما نحن بصدده، فلا بد من تخصيص بعضها بهذا التشبيه، ولهذا وقع الاختلاف في الجواب وتعدد الوجوه، ولا كذلك إذا كان السؤال عن الوجه. ثم نقول: إنا لو فرضنا أن يكون هذا السؤال عن الوجه، فلا يخلو: إما أن يكون هذا التشبيه مفرقًا أو مركبًا كان الوجه ما ذكره صاحب "المفتاح"، حيث قال: وجه تشبيه المنافقين بالذين شبهوا بهم في الآية هو رفع الطمع إلى تيسير مطلوبهم بسبب مباشرة أسبابه القريبة مع تعقيب الحرمان والخيبة لانقلاب الأسباب.


الصفحة التالية
Icon